اختراق علمي جديد قد يعيد بناء العظام الضعيفة.. هل يقترب العلماء من علاج هشاشة العظام؟

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
تمثل هشاشة العظام واحدة من أكثر المشكلات الصحية انتشاراً بين كبار السن، وخاصة النساء بعد انقطاع الطمث. ويعاني الملايين حول العالم من ضعف العظام وفقدان كثافتها تدريجياً، مما يزيد من خطر الكسور ويجعل التعافي منها أكثر صعوبة.
لكن نتائج أبحاث حديثة تمنح أملاً جديداً، بعدما تمكن علماء من اكتشاف آلية بيولوجية مهمة تتحكم في قوة العظام وكثافتها، وهو اكتشاف قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات لا تكتفي بإبطاء المرض، بل ربما تساعد مستقبلاً على عكس آثاره وإعادة بناء العظام المتضررة.
كيف تتجدد العظام داخل أجسامنا؟
قد يعتقد البعض أن العظام أنسجة ثابتة لا تتغير، لكن الحقيقة أنها تخضع باستمرار لعملية تجديد معقدة.
ففي كل لحظة تعمل خلايا متخصصة على إزالة الأجزاء القديمة أو التالفة من العظام، بينما تقوم خلايا أخرى ببناء نسيج عظمي جديد يحافظ على القوة والصلابة.
وعندما يختل التوازن بين الهدم والبناء تبدأ كثافة العظام في الانخفاض تدريجياً، وهو ما يؤدي إلى الإصابة بهشاشة العظام.
ومع التقدم في العمر تصبح عملية البناء أبطأ من عملية التآكل، فتفقد العظام جزءاً من قوتها الطبيعية.
مستقبل جديد لعلاج هشاشة العظام
في دراسة أجراها باحثون من ألمانيا والصين، ركز العلماء على مستقبل خلوي يعرف باسم GPR133، وهو بروتين يوجد على سطح الخلايا البانية للعظام.
وكانت دراسات سابقة قد أشارت إلى وجود علاقة بين الجين المسؤول عن هذا المستقبل وكثافة العظام، لكن دوره الحقيقي لم يكن واضحاً بالكامل.
وعند اختبار الفكرة على الفئران، اكتشف الباحثون أن غياب هذا المستقبل أدى إلى ظهور عظام ضعيفة تشبه إلى حد كبير هشاشة العظام لدى البشر.
أما عندما تم تنشيط المستقبل باستخدام مركب كيميائي يعرف باسم AP503، فقد ارتفعت معدلات تكوين العظام وتحسنت قوتها بصورة ملحوظة.
زر بيولوجي لتقوية العظام
يشبه العلماء هذا المستقبل الخلوي بزر تشغيل بيولوجي يحفز الخلايا البانية للعظام على العمل بكفاءة أكبر.
فعندما يتم تنشيطه تبدأ هذه الخلايا في إنتاج المزيد من النسيج العظمي، مما يساعد على زيادة الكثافة وتحسين قوة الهيكل العظمي.
والأكثر إثارة أن تأثير المركب لم يقتصر على الحيوانات المصابة بضعف العظام فقط، بل ساعد أيضاً على تعزيز قوة العظام السليمة.
كما أظهرت التجارب أن الجمع بين تنشيط هذا المستقبل وممارسة النشاط البدني أدى إلى نتائج أفضل من أي منهما بمفرده.
لماذا يمثل هذا الاكتشاف أهمية كبيرة؟
تعتمد معظم العلاجات الحالية لهشاشة العظام على إبطاء عملية تآكل العظام أو تقليل فقدان الكالسيوم.
ورغم أن هذه العلاجات تساعد على الحد من تطور المرض، فإنها لا تستطيع عادة استعادة الكتلة العظمية المفقودة بالكامل.
إضافة إلى ذلك، قد ترتبط بعض الأدوية بآثار جانبية غير مرغوبة أو تتراجع فعاليتها مع الاستخدام طويل الأمد.
أما النهج الجديد فيسعى إلى تحفيز عملية البناء نفسها، وهو ما قد يتيح مستقبلاً إعادة ترميم العظام المتضررة بدلاً من مجرد إبطاء تدهورها.
العظام تملك قدرة طبيعية على الشفاء
يؤكد العلماء أن جسم الإنسان يمتلك آليات مذهلة لإصلاح نفسه، والعظام من أكثر الأنسجة قدرة على التجدد.
لكن هذه القدرة تتراجع تدريجياً مع التقدم في العمر أو عند الإصابة ببعض الأمراض المزمنة.
ولهذا تركز أبحاث الطب التجديدي الحديثة على تعزيز أنظمة الإصلاح الطبيعية الموجودة بالفعل داخل الجسم بدلاً من استبدالها بالكامل.
زراعة حيوية مصنوعة من الدم
وفي تطور علمي آخر مرتبط بصحة العظام، نجح باحثون عام 2024 في تطوير مادة حيوية تعتمد على دم المريض نفسه للمساعدة في إصلاح الكسور وإعادة بناء الأنسجة العظمية.
وتعمل هذه المادة على تحسين البنية الطبيعية للجلطة الدموية التي تتكون أثناء التئام الجروح، مما يوفر بيئة أكثر كفاءة لنمو العظام الجديدة.
وقد أثبتت التجارب على الحيوانات قدرة هذه المادة على تسريع ترميم التلف العظمي وتحسين عملية الشفاء.
ويرى الباحثون أن استخدام دم المريض نفسه قد يجعل هذه التقنية أكثر أماناً وأقل تكلفة مقارنة ببعض البدائل العلاجية الأخرى.
هرمون جديد يعزز قوة العظام
وفي دراسة أخرى، اكتشف علماء من الولايات المتحدة هرموناً أطلقوا عليه اسم هرمون الدماغ الأمومي (MBH)، تبين أنه يساهم في زيادة كثافة العظام وقوتها بصورة ملحوظة لدى الفئران.
وأظهرت الاختبارات أن العظام الناتجة عن تأثير هذا الهرمون كانت أكثر صلابة وقوة من المعتاد.
ورغم أن هذه النتائج ما تزال في مراحلها التجريبية، فإنها تكشف عن وجود مسارات بيولوجية جديدة قد تساعد مستقبلاً في تطوير أدوية أكثر فعالية للحفاظ على صحة العظام.
من هم الأكثر عرضة لهشاشة العظام؟
تزداد احتمالات الإصابة بالمرض مع التقدم في العمر، إلا أن هناك عوامل أخرى ترفع مستوى الخطر، منها:
• انقطاع الطمث لدى النساء.
• نقص الكالسيوم وفيتامين د.
• قلة النشاط البدني.
• التدخين.
• الاستخدام الطويل لبعض الأدوية مثل الكورتيزون.
• وجود تاريخ عائلي للإصابة بالمرض.
ولهذا ينصح الأطباء بالحفاظ على نمط حياة صحي وممارسة الرياضة بانتظام منذ سن مبكرة للمساعدة في بناء مخزون قوي من الكتلة العظمية.
هل يمكن عكس هشاشة العظام مستقبلاً؟
حتى الآن لا يوجد علاج قادر على إعادة العظام المصابة إلى حالتها الطبيعية بشكل كامل.
لكن الاكتشافات الحديثة تشير إلى أن العلماء يقتربون من فهم الآليات الجزيئية التي تتحكم في بناء العظام بصورة أدق من أي وقت مضى.
وإذا أثبتت هذه النتائج نجاحها في التجارب السريرية على البشر، فقد يصبح من الممكن مستقبلاً تطوير أدوية تعمل على تنشيط الخلايا البانية للعظام مباشرة وإعادة بناء الأنسجة العظمية المفقودة.
آفاق واعدة لطب الشيخوخة
لا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على علاج هشاشة العظام فقط، بل تمتد إلى تحسين جودة الحياة مع التقدم في العمر.
فالحفاظ على قوة العظام يقلل من خطر الكسور والإعاقة ويحسن القدرة على الحركة والاستقلالية لدى كبار السن.
ومع استمرار التقدم في علوم البيولوجيا الجزيئية والطب التجديدي، يبدو أن المستقبل قد يحمل حلولاً جديدة تساعد الإنسان على الاحتفاظ بعظام أكثر قوة وصحة لفترة أطول.
ورغم أن هذه الاكتشافات ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتمادها طبياً، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل لكيفية بناء العظام وتجديدها، وربما تمهد الطريق يوماً ما لعلاج قادر على عكس آثار هشاشة العظام بدلاً من الاكتفاء بإبطائها.
نُشرت الدراسة الرئيسية في مجلة Signal Transduction and Targeted Therapy عام 2025، وركزت على دور المستقبل الخلوي GPR133 في تنظيم بناء العظام والحفاظ على كثافتها.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



