هل أودّع الكتابة الصحفية قريباً؟.. رحلة عمر تجاوزت ثلاثة عقود في خدمة الزراعة والفلاح

بقلم: د.أسامة بدير
بالبكاء أبدأ سطور مقالي.. نعم، بالبكاء، لأن الكلمات هذه المرة ليست ككل الكلمات، ولأنني أكتب وأنا أشعر بثقل اللحظة، وأستحضر أمام عيني رحلة عمر تجاوزت ثلاثة عقود، كان القلم خلالها رفيقي، وكانت الصحافة رسالتي، وكانت قضايا الزراعة والفلاحين والباحثين وأساتذة الجامعات جزءاً من يومي وحياتي.
هل يمكن للإنسان أن يودّع شيئاً لم يكن بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل كان جزءاً من عمره وذاكرته وكيانه؟ وهل يستطيع الكاتب أن يضع قلمه جانباً بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها بين الأوراق والملفات والحقول، يبحث عن قضية، ويدافع عن مظلمة، ويناقش مشكلة، ويطرح سؤالاً، ويكتب كلمة ربما أسهمت في تغيير قرار أو تصحيح مسار؟ هذه الأسئلة أصبحت تفرض نفسها عليّ بقوة، وأنا أقترب من لحظة قد يكون فيها عليّ أن أقول: ربما حان وقت الوداع.
أكثر من ثلاثين عاماً قضيتها في رحاب الكتابة الصحفية، لم تكن خلالها الصحافة بالنسبة لي مجرد وسيلة لنشر الأخبار أو تسجيل الأحداث، وإنما كانت مسؤولية ورسالة. كتبت عن الزراعة المصرية بكل تفاصيلها، وناقشت مئات القضايا والموضوعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والاستدامة، وحاولت دائماً أن أكون قريباً من المزارع، أسمع صوته، وأنقل شكواه، وأبحث عن حلول لمشكلاته، وأنقل إلى صانع القرار ما يراه المزارع في أرضه وما يواجهه في حياته اليومية.
وخلال هذه الرحلة الطويلة، كتبت آلاف المقالات والتقارير والتحقيقات، وكان لمقالات الرأي نصيب كبير منها؛ مقالات حاولت من خلالها التعبير عن قضايا وهموم ملايين المزارعين، وآلاف الباحثين وأساتذة الجامعات والعاملين في القطاع الزراعي. لم أكتب يوماً بحثاً عن تصفيق أو مجاملة، وإنما كنت أكتب لأنني كنت أؤمن أن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون بداية لحل، وأن الصحافة الزراعية الحقيقية لا تكتفي بوصف المشكلة، وإنما يجب أن تضع يدها على أسبابها وتطالب بعلاجها.
ولعل أكثر ما أعتز به في هذه الرحلة تلك المقالات التي لم تكن سهلة، والتي وجهت خلالها نقداً صريحاً لبعض القرارات والسياسات التي اتخذها وزراء ومسؤولون وقيادات سابقة، عندما كنت أرى أنها لا تصب في مصلحة الفلاح أو الإنتاج الزراعي. كانت هناك مقالات لاذعة، وربما أغضبت البعض، لكنها خرجت من قناعة بأن الصحفي الذي يخشى قول الحقيقة يفقد أهم ما يملك: ضميره المهني. وقد أسعدني أن بعض هذه الكتابات أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة النظر في بعض القرارات وتعديل بعضها بما كان في صالح الفلاحين وغيرهم.
يقيني، إن «الفلاح اليوم»، لم يكن بالنسبة لي مجرد موقع إلكتروني، وإنما كان امتداداً طبيعياً لرحلة طويلة مع الصحافة والزراعة. حاولت من خلاله أن أصنع مساحة إعلامية يكون فيها المزارع حاضراً، والباحث حاضراً، والمشكلة الزراعية حاضرة، وأن تنتقل نتائج البحوث والتوصيات العلمية من صفحات المراكز والمعاهد إلى الحقل والمزارع. ومع مرور السنوات أصبح للموقع قراؤه ومتابعوه بالملايين، وأصبحت المقالة اليومية موعداً ينتظره كثيرون، وهو ما جعل مسؤولية الكتابة أكبر، لا أخف.
لكن الإنسان، مهما امتدت به الرحلة، يصل يوماً إلى محطة يتوقف فيها ليسأل نفسه: إلى أين؟ وهل آن أوان أن أضع القلم جانباً؟
أقولها اليوم بكل الصراحة التي تعودت أن أكتب بها: ربما أصبحت الأيام معدودة قبل أن أقول وداعاً للكتابة الصحفية اليومية. ليس لأنني فقدت الرغبة في الكتابة، ولا لأن القضايا الزراعية انتهت، فالقضايا أكثر من أن تنتهي، وإنما لأن لكل رحلة نهاية، ولكل عمر محطة أخيرة. وربما يكون الوداع أصعب على الكاتب من بدايته؛ لأن القلم حين يصبح رفيقاً لأكثر من ثلاثين عاماً، لا يعود مجرد أداة، وإنما يتحول إلى جزء من صاحبه.
وإذا كان لابد من وداع، فإن أصعب ما في هذا الوداع ليس الأوراق ولا المقالات ولا الملفات، وإنما ملايين القراء والمتابعين الذين رافقوني طوال هذه السنوات، وانتظروا مقالي اليومي على «الفلاح اليوم». هؤلاء الذين لم ألتقِ بكثير منهم وجهاً لوجه، لكنني شعرت بوجودهم خلف كل قراءة وتعليق ورسالة واتصال. وربما كانت أجمل مكافأة حصلت عليها طوال هذه الرحلة أن أشعر بأن كلمة كتبتها وصلت إلى مزارع، أو باحث، أو أستاذ جامعة، أو مسؤول، وأنها تركت أثراً، ولو صغيراً، في حياة إنسان أو في قضية وطن.
وقد تكون الأيام المقبلة هي أيام الوداع الأخير، وقد يكون للقلم رأي آخر؛ فلا أحد يعرف ماذا تخبئ الأيام. لكنني أعرف شيئاً واحداً: إذا جاء يوم أكتب فيه كلمتي الأخيرة، فسوف أكتبها وأنا ممتن لكل قارئ وثق بكلمتي، ولكل مزارع منحني ثقته، ولكل باحث وأستاذ جامعة ومسؤول اختلف معي أو اتفق، ولكل من تابع رحلتي يوماً بعد يوم. وربما تكون آخر كلماتي إليهم: شكرًا لأنكم جعلتم لهذه الرحلة معنى.
أما إذا كانت هذه هي بالفعل الأيام الأخيرة لمقالي اليومي على «الفلاح اليوم»، فإنني لا أريد أن يكون الوداع حزيناً بقدر ما أريده شهادة على رحلة عمر. رحلة بدأت بقلم يبحث عن الحقيقة، واستمرت لأكثر من ثلاثة عقود، وستنتهي ـ إن انتهت ـ وقلمي ما زال يؤمن بأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن ما كُتب بصدق من أجل الناس والوطن، يبقى أطول من عمر صاحبه.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



