رأى

كتيب التعليمات الوراثي لجين الحماية: العلماء يفككون شيفرة مقاومة القمح لأسوأ آفاته الحشرية

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

في مسيرة الدفاع عن الحبوب الاستراتيجية ضد الآفات المدمرة، يمثل الكشف عن المخططات الجينية الكامنة داخل الحمض النووي للنبات نقطة تحول كبرى في تأمين الأمن الغذائي العالمي. وفي إنجاز علمي بارز نُشر في شهر أغسطس بدورية Science Advances المرموقة، نجح باحثو هيئة البحوث الزراعية الأمريكية (ARS) وشركاؤهم في فك شفرة أحد أهم الجينات الحارسة في القمح وتحديد موقعه الدقيق، وهو الجين المسمى (H13)، المسؤول عن حماية أصناف معينة من القمح من يرقات حشرة «ذبابة هيسيا» (Hessian fly)، التي تكبد محصول القمح الأمريكي خسائر سنوية طائلة تُقدر بنحو 100 مليون دولار.

لم يقتصر هذا الاكتشاف على تحديد الموقع الدقيق لجين المقاومة على أحد كروموسومات القمح الـ42 فحسب، بل امتد ليتيح تحديد تتابع الجين وتوصيفه بدقة علمية، مسجلًا بذلك أول إنجاز تاريخي من نوعه في استخلاص وتوصيف جين مقاومة للحشرات في نبات القمح. هذا الاختراق الجزيئي يفتح الباب على مصراعيه أمام أساليب أسرع وأدق لفحص أصناف القمح واختيار الأصناف المقاومة، فضلًا عن سهولة نقل هذا السلاح الوراثي بكفاءة إلى الأصناف القابلة للإصابة بالآفة.

تتجلى الأبعاد الاستراتيجية لهذا الاكتشاف الجزيئي في حماية المحاصيل عبر ثلاثة محاور جوهرية:

• التحديد الخريطي الدقيق على الكروموسومات: رصد الموقع المحوري لجين (H13) بدقة فائقة داخل التركيب الصبغي المعقد للقمح، مما يزيل الغموض الوراثي التاريخي المحيط بمقاومة الحشرات الثاقبة.

• تطوير تقنيات الفحص والانتخاب السريع: توفير معلمات جزيئية واضحة وموثوقة لغربلة السلالات وتقييمها في مراحل التكاثر الأولى، دون الانتظار حتى حدوث الإصابة الحقلية الكاملة.

• نقل المقاومة المتفوقة إلى الأصناف الحساسة: تمكين برامج التربية الحديثة من نقل دروع الحماية الوراثية إلى القمح المعرض للإصابة، لتعزيز مناعته الطبيعية ضد اليرقات المهاجمة.

تتقاطع هذه المعطيات العلمية المتقدمة بشكل مباشر وأصيل مع صلب تخصصنا ورؤيتنا في قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية؛ حيث يمثل تتبع جينات المقاومة والتوصيف الجزيئي للكروموسومات الحقلية الركيزة الأساسية لتحديث برامج التربية الوطنية واستنباط أصناف قمح مصرية قادرة على الصمود في وجه الإجهادات الحيوية والحشرية.

وفي هذا الصدد، تتضح معالم الاستفادة والتطبيقات العملية لهذا الاكتشاف في بيئتنا البحثية عبر:

  1. الانتخاب بمساعدة المعلمات الجزيئية (MAS): توظيف التقنيات الجينومية لتحديد جينات المقاومة الحشرية المماثلة ونقلها إلى سلالات القمح المحلية الواعدة.
  2. التحليل النسيجي والخلوي للاستجابة الدفاعية: دراسة التغيرات التركيبية والخلوية في جدر الأنسجة النباتية عند هجوم الآفات الحشرية لتقييم كفاءة الدفاعات الذاتية.
  3. دعم برامج التربية القومية المستدامة: تسريع وتيرة استنباط أصناف قمح فائقة الإنتاجية ومحصنة وراثيًا ضد الآفات، ضمانًا لاستقرار سلة الغذاء القومية وتخفيف الاعتماد على المبيدات.

إن فك شفرة «كتيب التعليمات الوراثي» (Playbook) للجينات الحارسة يمثل النقلة الحقيقية نحو زراعة ذكية ومحصنة، تكفل حماية حقول السنابل الذهبية وتصون مقدرات الأمن الغذائي في وجه التحديات الحيوية المتسارعة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى