كائنات أقرب للخيال: الحبار يتفوق على الطبيعة بمرونة وراثية مذهلة

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
حين نتأمل عالم الرخويات، وخصوصاً الكائنات البحرية المدهشة كالحبار، نشعر وكأننا أمام ذكاء قادم من عوالم أخرى في أعماق البحار الساحرة. فرغم التطور المذهل الذي تشهده أدمغة البشر وأجسادهم عبر التاريخ، تظل الكائنات الحية جميعاً خاضعة لعمليات تطورية مشتركة تعيد تشكيل رسائلها الحيوية باستمرار.
وتعتمد الكائنات، ومنها البشر، على آلية دقيقة تُعرف بالتعديل الكيميائي للرسائل الوراثية، وهي تشبه إلى حد كبير طباعة وصفة طعام مع تبديل بعض مكوناتها قبل تسليمها للخباز مباشرة لضمان الحصول على نتيجة أفضل.
لكن ما لا يصدقه العقل أن الكائنات الرخوية ذات الجسد الطري، كالحبار والأخطبوط، تفعل ذلك ببراعة فائقة لا تقارن بأي كائن آخر على وجه الأرض. فقد أثبتت أبحاث علمية حديثة أن المادة الوراثية لهذه الكائنات تتمتع بمرونة فائقة تتجاوز كل التوقعات، مما يسمح لها بتعديل البروتينات الحيوية لتعزيز قدراتها بطرق خيالية مذهلة.
وفي دراسة نشرتها دورية سيل العريقة، عكف فريق من علماء البيولوجيا الحيوية في جامعة كاليفورنيا على فحص منظومة البروتينات الكاملة للحبار الساحلي طويل الزعانف لفهم الأبعاد الحقيقية لهذا التعديل الفريد.
ولم تقتصر المفاجأة للباحثين على اكتشاف اتساع نطاق هذه التعديلات فحسب، بل امتدت لتشمل تأثيراتها المباشرة على نشاط البروتينات واستقرارها وتمركزها داخل الخلية وحتى تواصلها مع البروتينات الأخرى. فعبر تعديل التعليمات الخاصة ببناء البروتينات دون المساس بشفرة الوراثة الأصلية للحمض النووي، تستطيع هذه الكائنات إنتاج بروتينات ذات خصائص فريدة تواكب المتغيرات البيئية المحيطة بها.
وقد أظهرت المقارنة بين الفصوص البصرية المسؤولة عن الرؤية والأعضاء التنفسية أن التعديلات ترتكز بكثافة في الدماغ المعقد للحبار مقارنة بالأعضاء الأخرى، مما يفسر تفوقه العصبي والذهني الملحوظ.
إن القدرة الفائقة على إعادة كتابة التعليمات البروتينية تتيح للحبار إنتاج سلاسل بروتينية جديدة كلياً لم ترصد من قبل في قواعد البيانات العالمية المعروفة. بل إن هذه التعديلات تمتد لتغير مواقع استقرار البروتينات داخل الخلية، وتأثيراتها المباشرة على محطات توليد الطاقة الخلوية لتجعلها أكثر استقراراً وقدرة على التكيف مع البيئة القاسية.
والأدهى من ذلك كله أن هذه التغيرات الجذرية تحدث بتعديل جزيء واحد في المرة دون المخاطرة بتوريث طفرات ضارة للأجيال القادمة، مما يمنح الحبار مرونة مطلقة دون أي كلفة جزيئية تذكر.
وتشير الحسابات النظرية إلى أن الاحتمالات المتاحة لتنوع هذه البروتينات تكاد تكون فلكية وتفوق عدد كل النجوم والذرات الموجودة في الكون بأسره. ورغم أن الحد الأقصى لما تستخدمه هذه الكائنات فعلياً لا يزال قيد البحث، إلا أن هذه الاكتشافات تعيد صياغة فهمنا لحدود المرونة الجسدية في الكائنات الحية.
وفي النهاية، تؤكد هذه الحقائق أن الحبار كائن فريد بحق، يحمل في أعماقه أسراراً تكشف لنا يوماً بعد يوم عن روعة التنوع الحيوي في كوكبنا العجيب.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



