في عالم أمراض النبات.. النانوبيوتكنولوجي والمكافحة الحيوية

إعداد: أ.د.قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات

في التربة المحيطة بجذور النباتات تدور معارك خفية؛ فمسببات الأمراض تسعى إلى اختراق الأنسجة، بينما تنافسها كائنات نافعة تحمي النبات وتساعده على النمو. ومن هذه العلاقات نشأت المكافحة الحيوية، التي تستثمر قدرات الكائنات الحية ومنتجاتها في الحد من أضرار الآفات والممرضات. لكن انتقال الكائن النافع من المعمل إلى الحقل ليس مضمون النجاح؛ فقد تضعفه الحرارة والجفاف وأشعة الشمس. وهنا تبرز النانوبيوتكنولوجي، بوصفها مجالًا يجمع أدوات التقنية النانوية والأنظمة البيولوجية، ويفتح فرصًا لتحسين وسائل حماية المحاصيل.
عندما يصنع الحجم فارقًا
تتعامل التقنية النانوية عادةً مع تراكيب تقع أبعادها في نطاق يتراوح بين واحد ومائة نانومتر، والنانومتر جزء من مليار جزء من المتر. وعند هذه الأبعاد قد تتغير خواص المادة، وتزداد مساحة سطحها بالنسبة إلى حجمها، بما يؤثر في تفاعلها مع محيطها. أما النانوبيوتكنولوجي فتربط هذه الخصائص بالكائنات الحية أو جزيئاتها ومنتجاتها؛ لتطوير مواد وحوامل وأدوات ذات وظائف محددة.
وفي حماية النبات، يمكن لهذه الحوامل أن تحمل مواد فعالة وتساعد على ضبط إطلاقها وتقليل فقدها قبل وصولها إلى موضع التأثير. وتختلف النتيجة باختلاف تركيب الحامل والمادة المحمولة والمحصول والظروف البيئية؛ لذلك لا تعني كلمة «نانو» وحدها أن المنتج أكثر كفاءة أو أمانًا.
حلفاء النبات يحتاجون إلى الحماية
تعتمد المكافحة الحيوية على كائنات نافعة، من أشهرها فطريات التريكوديرما وبعض أنواع بكتيريا الباسيلس. وتعمل هذه الكائنات بآليات متعددة؛ منها منافسة الممرض على الغذاء والمكان، وإفراز مركبات تثبط نموه، وإنتاج إنزيمات تؤثر في تراكيبه. كما تستطيع بعض سلالات التريكوديرما التطفل على الفطريات الممرضة، وتحفيز دفاعات النبات، وتحسين استفادته من العناصر الغذائية.
غير أن نجاحها يتطلب بقاءها حية ونشطة وقدرتها على الاستقرار في البيئة المستهدفة. فالمستحضر الذي يعطي نتيجة جيدة داخل المعمل قد تتراجع فعاليته بعد التخزين أو التطبيق، وهو ما يجعل تحسين الصياغة والتوصيل مسألة أساسية في تطوير منتجات المكافحة الحيوية.
التغليف والتوصيل المنضبط
تتيح بعض الصياغات النانوية حماية المركبات الحيوية الحساسة، وتحسين تشتتها أو التصاقها بالأسطح، وتنظيم تحررها. ويمكن دمج مواد فعالة مشتقة من الكائنات الدقيقة داخل حوامل مناسبة، بما يساعد على استمرار تأثيرها. وتبحث الدراسات أيضًا استخدام نظم توصيل لحماية عوامل ميكروبية، مع ضرورة التمييز بين حجم الكائن الدقيق وحجم مكونات الحامل؛ فالبكتيريا الكاملة ليست جسيمًا نانويًا. وتعرض أبحاث مستحضرات الباسيلس فرصًا لدمج منتجاتها الحيوية مع مواد وصياغات نانوية مناسبة.
ويمكن تصور مستحضر يُستخدم لمعاملة البذور، يحافظ على نشاط مكوناته خلال التخزين، ثم يتيح وصولها تدريجيًا إلى منطقة الجذور. لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى اختبار التوافق والثبات، وتحديد الجرعة وطريقة الاستخدام، ومقارنة المستحضر المحسن بنظيره التقليدي.
مصانع حيوية بالغة الصغر
هناك مسار آخر يتمثل في استخدام الكائنات الدقيقة أو مستخلصاتها لتخليق جسيمات نانوية. فقد أظهرت دراسات قدرة بعض فطريات التريكوديرما على إنتاج جسيمات تمتلك نشاطًا مضادًا لميكروبات، ومنها ممرضات نباتية. وهذا يفتح مجالًا لاستثمار العمليات الحيوية في تصنيع مواد جديدة، لكنه لا يجعل كل مادة منتجة حيويًا عامل مكافحة حيوية بالمعنى التقليدي؛ فقد يكون تأثيرها ناتجًا عن خواص الجسيم المعدني نفسه.
كذلك لا يضمن التخليق الحيوي انعدام السمية. فالجسيمات القادرة على تثبيط ممرض قد تؤثر أيضًا في الكائن النافع المستخدم معها. ولهذا ينبغي اختبار كل توليفة على حدة، بدل افتراض أن الجمع بين التريكوديرما وأي جسيم نانوي سيؤدي تلقائيًا إلى نتائج أفضل.
من النتائج الواعدة إلى الحقل
تتوقف القيمة الزراعية لهذه التطبيقات على أسئلة عملية: هل تنخفض شدة المرض؟ وهل تتحسن الإنتاجية؟ وهل يحتفظ المستحضر بفعاليته خلال التخزين؟ وما أثره في أحياء التربة والكائنات غير المستهدفة؟ ثم هل يستطيع المزارع شراءه واستخدامه بسهولة؟ وتؤكد الأدبيات العلمية ضرورة التجارب الحقلية ودراسات السمية قبل التوسع في المستحضرات النانوية الزراعية.
وفي مصر، يمكن توجيه هذا المجال إلى مشكلات واضحة، مثل أعفان الجذور وموت البادرات، مع إعطاء الأولوية لسلالات محلية متأقلمة، وحوامل قابلة للتحلل، وتجارب تتكرر في ترب ومواسم مختلفة. ويحتاج ذلك إلى تعاون متخصصي أمراض النبات والميكروبيولوجيا والكيمياء وعلوم المواد، وربط البحث باحتياجات المنتج والمزارع.
كما ينبغي أن تشمل المقارنة تكلفة المعاملة، وسهولة التحضير، واستقرار الجودة بين دفعات الإنتاج، وإمكان دمج المستحضر مع الممارسات الزراعية المعتادة. فالابتكار الذي يتطلب ظروفًا يصعب توفيرها في الحقل قد تبقى فائدته محدودة، مهما بدت نتائجه المعملية مشجعة.
إن النانوبيوتكنولوجي تمنح المكافحة الحيوية أدوات إضافية، ويحدد نجاحها مقدار ما تقدمه من حماية قابلة للقياس، بتكلفة مناسبة وأثر بيئي مقبول. وتظل الإدارة المتكاملة للمرض إطار استخدامها: تقاوي سليمة، ودورة زراعية مناسبة، وتشخيص دقيق، وممارسات تقلل فرص العدوى. فعندما يخدم الابتكار هذه المنظومة، يصبح صغر الحجم مدخلًا إلى أثر زراعي كبير.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



