رئيس التحرير

فوانيس بالدولار والفرح الذي ندفع ثمنه عملة صعبة

بقلم: د.أسامة بدير

لم تكن الزيارة مخططة، ولا تحمل في ظاهرها أي نية للكتابة أو التأمل. الصدفة وحدها هي التي قادتني مساء أمس إلى منطقة سوق الكهرباء خلف مطافي العتبة بالقاهرة. لكن ما رأيته هناك لم يكن عابراً، ولم يمر مرور الكرام، بل ترك داخلي أسئلة ثقيلة تستحق أن تُكتب، وأن تُناقش، وربما أن تُزعج.

عشرات المحال مصطفة، واجهاتها تلمع بالأضواء، ممتلئة بزينة رمضان المستوردة: فوانيس بلا روح، وأهِلّة مصنوعة من البلاستيك، وسلاسل إضاءة لا تحمل أي ملامح من ذاكرتنا الشعبية. زينة جميلة في ظاهرها، نعم، لكنها مستوردة بالكامل، قادمة من وراء البحار، مدفوعة الثمن بملايين الدولارات، في وقت نكاد نلهث فيه خلف كل عملة صعبة لإنقاذ الاقتصاد الوطني.

وقفت أتأمل المشهد بعيون المستهلك والمواطن معاً. سألت نفسي: كيف تحولت مناسبة روحية واجتماعية عميقة مثل شهر رمضان إلى موسم استيراد شره؟ متى فقدنا الثقة في قدرتنا على إنتاج أبسط مظاهر الفرح؟ ولماذا أصبح من الطبيعي أن نستورد حتى الضوء الذي نعلقه في شوارعنا؟

المفارقة المؤلمة أن هذه الزينة تُباع بأسعار مرتفعة، لا تعكس فقط كلفة الاستيراد، بل أيضاً عبء العملة الصعبة، والنقل، والجمارك، وهو عبء يدفعه المواطن في النهاية. ومع ذلك، لا يبدو أن أحداً يتساءل: أليس من الأولى أن تُوجه هذه الدولارات لدعم صناعة محلية؟ أو لتوفير مواد خام؟ أو حتى لاستيراد ما لا نستطيع إنتاجه فعلياً؟

ما شاهدته لم يكن مجرد سوق، بل نموذجاً مصغراً لخلل أعمق في علاقتنا بالاستهلاك والإنتاج. نحن نستهلك بسهولة، ونستورد بلا تردد، ثم نشتكي لاحقاً من ضعف الصناعة الوطنية، ومن نقص فرص العمل، ومن نزيف العملة الصعبة. ننسى – أو نتناسى – أن كل فانوس مستورد هو فرصة ضائعة لحرفي مصري، وكل سلسلة إضاءة أجنبية هي ورشة محلية أُغلقت أو لم تُفتح أصلاً.

الأكثر إيلاماً أن رمضان في الذاكرة المصرية لم يكن يوماً بحاجة إلى كل هذا البريق المستورد. كان الفانوس يُصنع يدوياً، والزينة تُعلق من الورق والقماش، وكانت الشوارع تضيء بالناس قبل المصابيح. اليوم، نشتري الشكل ونفقد المعنى، ونستورد المظهر ونُهمل الجوهر.

لا أكتب هذا من موقع الرفض المطلق للاستيراد، ولا من منطلق الرومانسية الزائفة للماضي، بل من زاوية السؤال المشروع: ما الذي ننتجه؟ وما الذي نصر على استيراده رغم قدرتنا على تصنيعه؟ هل من المنطقي أن تتحول زينة رمضان إلى بند مستنزف للدولار، بينما يمكن أن تكون فرصة ذهبية لصناعة صغيرة، كثيفة العمالة، سريعة الدوران؟

خرجت من سوق الكهرباء وأنا أشعر أن الصدفة لم تكن بريئة. ربما أرادت أن تضعني وجهاً لوجه أمام تناقضنا الكبير: نحتفل بالمواسم، لكننا نثقل كاهل الاقتصاد؛ نبحث عن الفرح، لكننا نشتريه بالعملة الصعبة. والسؤال الذي ظل يلاحقني حتى الآن: متى نقرر أن يكون الفرح مصري الصنع؟

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى