رأى

سد فولا في جنوب السودان… هل يمثل خطراً جديداً على مياه مصر؟

مشروع كهرومائي يعيد طرح أسئلة الإخطار المسبق وحقوق دول المصب وتأثير السدود في الزراعة والأمن الغذائي

بقلم: أ.د.قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا

أثارت تصريحات وزير الطاقة والسدود بدولة جنوب السودان، أغوك ماكور، بشأن المضي في تنفيذ مشروع سد «فولا» الكهرومائي، تساؤلات مصرية عن تأثير المشروع المرتقب في تدفقات مياه النيل، ولا سيما أنه يأتي في وقت لم تُحسم فيه تداعيات سد النهضة الإثيوبي، ولم يتم التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيله خلال فترات الجفاف.

وبالنسبة إلى مصر، لا تبقى مشروعات السدود قضية سياسية أو هندسية بعيدة عن حياة المواطن؛ فكل تغير مؤثر في موارد النيل ينعكس مباشرة على الزراعة وإنتاج الغذاء ودخل الفلاح. ويحصل القطاع الزراعي على النصيب الأكبر من الموارد المائية المصرية، ولذلك فإن أي نقص كبير أو غير متوقع في التدفقات قد يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة، وتغيير التركيب المحصولي، وزيادة ملوحة التربة، ورفع تكلفة إنتاج الغذاء.

لكن هل يمثل سد فولا بالفعل خطرًا مائيًا جديدًا على مصر؟ الإجابة العلمية لا تبدأ بالتهويل ولا بالاستهانة، وإنما بالحصول على المعلومات الفنية الكاملة.

أين يقع سد فولا؟

تقع شلالات أو مسارع فولا على مجرى بحر الجبل، بالقرب من مدينة نمولي في ولاية شرق الاستوائية، وعلى مسافة قريبة من حدود جنوب السودان مع أوغندا. وتتميز المنطقة بانحدار طبيعي وسرعة في حركة المياه، ما يجعلها مناسبة لإقامة محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة المائية.

ومشروع فولا ليس وليد التصريحات الأخيرة، فقد طُرح منذ سنوات ضمن خطط جنوب السودان لتوفير الكهرباء، لكنه تعثر بسبب نقص التمويل والاضطرابات السياسية والأمنية وضعف البنية الأساسية.

وتحتاج جنوب السودان بالفعل إلى مشروعات تنموية توفر الكهرباء للمنازل والمستشفيات والمدارس والمزارع والمصانع. ومن ثم، فإن الاعتراض المصري لا ينبغي أن يكون على حق الدولة الوليدة في التنمية، وإنما على احتمال تنفيذ مشروع فوق مجرى مائي دولي من دون تقديم المعلومات والدراسات والتشاور مع الدول التي يمكن أن تتأثر به.

ليس كل سد خطرًا

من الضروري التمييز بين سد كهرومائي يعتمد على سرعة جريان المياه، وسد ضخم يستهدف تخزين عشرات المليارات من الأمتار المكعبة. ففي المحطات الكهرومائية تمر المياه عبر التوربينات لتوليد الكهرباء، ثم تعود إلى المجرى، ولا تُستهلك كما يحدث عند استخدامها في الزراعة أو الصناعة.

إذا كان سد فولا قليل التخزين ويعتمد أساسًا على الانحدار الطبيعي، فقد يكون أثره في كميات المياه الواصلة إلى السودان ومصر محدودًا. بل يمكن لبعض السدود الكهرومائية، إذا أُحسن تشغيلها بالتنسيق بين الدول، أن تسهم في تنظيم التدفقات والحد من الفيضانات وتوفير طاقة نظيفة.

لكن المشروع قد يصبح مصدرًا للقلق إذا صاحبه خزان كبير، أو جرى ملؤه بسرعة ومن دون اتفاق، أو ارتبط بمشروعات ري واسعة، أو تسبب في زيادة الفاقد نتيجة التبخر والتسرب. وقد يؤدي تشغيله بصورة منفردة إلى اضطراب توقيت وصول المياه، حتى لو لم يسبب نقصًا كبيرًا في متوسط الكمية السنوية.

ولهذا لا يجوز بناء الحكم على وصف المشروع بأنه «كهرومائي» فقط. فالمطلوب معرفة ارتفاع السد، وسعة الخزان، ومساحة البحيرة، ومدة الملء، وقواعد التشغيل، وكميات التبخر المتوقعة، وخطط استخدام المياه خلفه.

لماذا يقلق الفلاح المصري؟

يعاني نصيب الفرد من المياه في مصر تراجعًا مستمرًا نتيجة زيادة السكان وثبات الموارد المائية تقريبًا، بينما تتزايد احتياجات الغذاء والإسكان والصناعة. ويواجه الفلاح بالفعل تحديات ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وتفتت الحيازات، وتغير المناخ، واشتداد موجات الحر، وتدهور بعض الأراضي الزراعية.

وأي ضغط جديد على مياه الري قد يفرض قيودًا أكبر على المحاصيل الشرهة للمياه، ويزيد صعوبة وصول المياه إلى نهايات الترع، ويدفع بعض المزارعين إلى الاعتماد على مياه صرف رديئة أو مياه جوفية قد ترتفع فيها نسبة الملوحة.

كما أن نقص المياه لا يعني تراجع كمية المحصول فقط، بل قد يخفض جودته ويزيد تعرض النباتات للإجهاد والآفات والأمراض. ويؤدي ذلك في النهاية إلى ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الاعتماد على الاستيراد، بما يحمله من أعباء على الاقتصاد والدولة والمستهلك.

من هنا يصبح الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الزراعي والغذائي، ولا يجوز التعامل مع مشروعات السدود في دول المنابع باعتبارها ملفات دبلوماسية منفصلة عن حياة الفلاح المصري.

دروس ينبغي ألا ننساها

كشفت تجربة سد النهضة أن الانتظار حتى يصبح السد حقيقة قائمة يضيّق مساحة التفاوض. فقد استمر البناء والملء والتشغيل، بينما ظلت الخلافات حول قواعد التشغيل خلال سنوات الجفاف وآلية فض المنازعات من دون حل ملزم.

لذلك يجب التحرك في ملف سد فولا منذ مرحلة التخطيط. والخطوة الأولى هي مطالبة جنوب السودان رسميًا بتقديم الدراسات الفنية والبيئية الكاملة، وتشكيل لجنة مشتركة تضم خبراء المياه والطاقة والزراعة والبيئة والقانون الدولي.

ولا تعني موافقة سابقة على قائمة عامة لمشروعات تنمية حوض النيل منح موافقة مفتوحة على أي سد مهما كانت مواصفاته. فلكل مشروع تصميمه وتأثيراته، ولا بد من تقييمه بصورة مستقلة.

وتستند إدارة الأنهار الدولية إلى مبادئ أساسية، أبرزها الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم إحداث ضرر ذي شأن، وتبادل البيانات، والإخطار والتشاور المسبق بشأن المشروعات التي قد تكون لها آثار عابرة للحدود. وهذه المبادئ لا تحرم دولة المنبع من التنمية، لكنها تمنع أن تحقق دولة منفعتها على حساب أمن الآخرين المائي والغذائي.

التعاون أفضل طريق للمواجهة

تمتلك مصر علاقات قوية مع جنوب السودان، وقد أسهمت في تنفيذ مشروعات لحفر الآبار وإنشاء محطات مياه وتطهير المجاري المائية وتدريب الكوادر. ويمكن البناء على هذه العلاقات بعرض مشاركة مصرية في دراسة سد فولا وتصميمه، بما يحقق إنتاج الكهرباء بأقل قدر ممكن من التخزين والفاقد المائي.

كما يمكن الاتفاق على تبادل البيانات اليومية، ووضع قواعد مشتركة للملء والتشغيل، وإنشاء نظام للإنذار المبكر، وربط شبكات الكهرباء، بل وشراء مصر أو السودان جزءًا من الطاقة المنتجة. وهكذا يتحول السد من سبب للخلاف إلى مشروع تتقاسم الدول منافعه.

وفي المقابل، ينبغي لمصر مواصلة إصلاح منظومة المياه داخليًا من خلال تطوير الري الحقلي، وصيانة الترع، ومنع زراعة المحاصيل المخالفة، والتوسع في إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، واستنباط أصناف قصيرة العمر ومتحملة للجفاف والملوحة، ودعم الفلاح ليتبنى تقنيات الري الحديثة من دون تحميله أعباء مالية لا يستطيعها.

لا تهويل ولا اطمئنان بلا معلومات

لا تتوافر حتى الآن بيانات فنية كافية تسمح باعتبار سد فولا خطرًا يماثل سد النهضة، كما لا يجوز الاطمئنان إلى المشروع اعتمادًا على التصريحات السياسية وحدها. والموقف الرشيد يقوم على قاعدة واضحة: حق جنوب السودان في التنمية مكفول، وحق مصر والسودان في الحماية من الضرر مكفول كذلك.

إن أفضل وسيلة لمواجهة «الخطر المائي الجديد» هي منع تحوله إلى أزمة، وذلك بالدبلوماسية المبكرة والشفافية والمشاركة الفنية واتفاقات التشغيل الملزمة.

وسواء كان سد فولا خطرًا أو فرصة، فإن الإجابة ستحددها الأرقام والدراسات، لا العناوين المثيرة. أما الثابت، فهو أن مياه النيل ليست قضية تخص الحكومات وحدها؛ إنها ماء يشربه المواطن، ويروي به الفلاح أرضه، ويزرع به قمح مصر وغذاء أبنائها.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى