بحوث ريفية

دراسة تكشف السر أخيراً: كيف تنغلق مصيدة فينوس على فرائسها بهذه السرعة المذهلة؟

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

نجح فريق من العلماء في كشف الآلية الحقيقية التي تمكّن نبات مصيدة فينوس من إغلاق أوراقه الخاطفة في أجزاء من الثانية، وهي حركة حيّرت الباحثين لعقود طويلة، لأن النباتات تُعرف عادةً ببطء حركتها مقارنةً بالحيوانات.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science، حيث أوضح الباحثون أن السر لا يكمن في اندفاع الماء داخل النبات، كما كان يُعتقد سابقًا، وإنما في تغير سريع يحدث في جدران خلايا المصيدة نفسها، مما يسمح لها بالانغلاق بسرعة تكفي للإمساك بالحشرات والعناكب.

نبات يصطاد فرائسه بذكاء

يُعد نبات مصيدة فينوس (Dionaea muscipula) واحدًا من أشهر النباتات آكلة الحشرات، إذ يجذب الحشرات إلى داخل أوراقه التي تشبه الفكين، ثم يغلقها بسرعة هائلة بمجرد لمس الحشرة للشعيرات الحساسة الموجودة داخل المصيدة مرتين خلال فترة زمنية قصيرة.

وبعد إغلاق المصيدة، يبدأ النبات في هضم الفريسة للحصول على العناصر الغذائية التي يحتاج إليها، خاصةً في البيئات الفقيرة بالنيتروجين.

الاعتقاد القديم لم يكن صحيحًا

كان العلماء يعتقدون لسنوات أن حركة الإغلاق تعتمد على انتقال الماء من أحد جانبي الورقة إلى الجانب الآخر، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وإغلاقها.

لكن الدراسة الجديدة أثبتت أن هذه الفكرة لا تفسر السرعة الفائقة للنبات، لأن انتقال الماء داخل أنسجة النبات يستغرق ما بين 30 و150 ثانية، بينما تنغلق المصيدة خلال أقل من ثانية، وهي سرعة يستحيل تحقيقها بهذه الآلية.

كما لاحظ الباحثون أن حركة الإغلاق لا تُظهر النمط التدريجي المتوقع إذا كان الماء هو المسؤول عن هذه العملية.

السر في جدران الخلايا

أجرى الباحثون سلسلة من التجارب الدقيقة على أوراق النبات، واستخدموا مجسات مجهرية لقياس صلابة جدران الخلايا قبل الإغلاق وبعده.

وأظهرت النتائج أن جدران الخلايا الموجودة على السطح الخارجي للمصيدة تصبح أكثر ليونةً فجأةً، إذ تفقد نحو 40% من صلابتها، بينما تبقى جدران الخلايا في السطح الداخلي دون تغيير يُذكر.

وهذا الاختلاف يجعل السطح الخارجي يتمدد بسرعة أكبر من السطح الداخلي، فتبدأ الورقة في الانحناء تدريجيًا حتى تصل إلى نقطة حرجة، وعندها تنغلق المصيدة فجأة خلال نحو 0.2 ثانية فقط.

مرحلتان لإغلاق المصيدة

أوضحت الدراسة أن عملية الإغلاق تتم على مرحلتين.

في المرحلة الأولى، تبدأ الورقة في الانحناء ببطء نتيجة ليونة جدران الخلايا الخارجية، ثم تصل إلى نقطة عدم استقرار ميكانيكي، فتحدث المرحلة الثانية، وهي الانغلاق الخاطف الذي يحبس الفريسة داخل المصيدة في جزء من الثانية.

كيف يبدأ الإغلاق؟

داخل المصيدة توجد شعيرات دقيقة تعمل كمستشعرات للحركة.

وعندما تلمس الحشرة إحدى هذه الشعيرات مرتين خلال فترة قصيرة، يرسل النبات إشارات كهربائية تؤدي إلى تليين جدران الخلايا الخارجية، فتبدأ عملية الانحناء السريع، ثم تنغلق المصيدة تلقائيًا بمجرد تجاوزها النقطة الحرجة.

تطور مذهل في عالم النباتات

يشير الباحثون إلى أن تليين جدران الخلايا ليس عمليةً جديدةً بالنسبة للنباتات، بل هو الآلية نفسها التي تستخدمها النباتات أثناء النمو.

لكن نبات مصيدة فينوس طوّر هذه الخاصية وجعلها تعمل بسرعة فائقة، لتتحول من وسيلة للنمو إلى وسيلة فعالة لاصطياد الفرائس والحصول على الغذاء.

فوائد تتجاوز عالم النبات

لا يقتصر هذا الاكتشاف على فهم سلوك النباتات فقط، بل قد يساعد أيضًا في تطوير مواد وهياكل هندسية جديدة مستوحاة من الطبيعة، يمكنها تغيير شكلها أو حركتها بسرعة دون الحاجة إلى محركات أو عضلات، وهو مجال يُعرف بالهندسة الحيوية المستوحاة من الكائنات الحية.

وتؤكد هذه الدراسة أن النباتات تمتلك قدرات حركية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، وأن فهم هذه الآليات قد يفتح آفاقًا جديدة في مجالات الزراعة والهندسة والروبوتات، فضلًا عن تعميق فهم العلماء لكيفية تطور الكائنات الحية واكتسابها وسائل مبتكرة للبقاء.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى