حين يصبح التصنيع وسيلة لبقاء الشباب في الريف

بقلم: د.شكرية المراكشي
الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية
من الهجرة الاضطرارية إلى بناء مستقبل اقتصادي واجتماعي داخل المكان
ليست الهجرة من الريف إلى المدينة مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، ولا يمكن اختزالها في رغبة الشباب في تغيير نمط حياتهم أو الاقتراب من مظاهر الحداثة، بل إنها في كثير من الحالات تعبير عن اختلال أعمق في توزيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية بين الأماكن. فالشاب الذي يغادر قريته قد لا يكون راغبًا في التخلي عن أسرته وأرضه وذكرياته وعلاقاته الاجتماعية، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع لا يمنحه فرصة مناسبة لاستخدام تعليمه، أو تطوير مهاراته، أو الحصول على دخل مستقر، أو بناء حياة مستقلة.
وعندما تصبح المدينة هي المكان الذي تتركز فيه الوظائف والخدمات والتدريب والأسواق، بينما يظل الريف مرتبطًا إلى حد كبير بالعمل الزراعي الموسمي والأنشطة محدودة العائد، تتحول الهجرة تدريجيًا من اختيار شخصي إلى ضرورة اقتصادية. وهنا لا تعود القضية متعلقة بالشباب وحدهم، بل بمستقبل الريف نفسه؛ لأن المكان الذي يفقد شبابه يفقد تدريجيًا جزءًا من قدرته على التجدد والتعلم والإنتاج، وقد تتراجع فيه المبادرة الاقتصادية، وتتسع الفجوة بين أجياله، ويصبح أكثر اعتمادًا على التحويلات المالية القادمة من الخارج أو من المدن. ومن هذا المنطلق، يكتسب التصنيع الريفي أهمية تتجاوز إنشاء المصانع وتوفير الوظائف؛ إذ يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، بحيث لا يكون البقاء في القرية حكمًا على الطموح، ولا تكون المغادرة هي الثمن الضروري لتحقيق المستقبل.
الهجرة ليست مشكلة في الشباب، بل إشارة إلى اختلال الفرص
من الخطأ أن ننظر إلى هجرة الشباب باعتبارها دليلًا على ضعف انتمائهم إلى قراهم، أو أن نفسرها باعتبارها نتيجة طبيعية لرغبتهم في حياة أكثر عصرية. فالشباب يتحركون غالبًا استجابة للفارق بين ما يطمحون إليه وما يستطيع المكان الذي يعيشون فيه أن يتيحه لهم. وإذا لم يجد الشاب عملًا يتناسب مع تعليمه، أو فرصة لاكتساب مهنة، أو طريقًا واضحًا للانتقال من العمل البسيط إلى موقع أكثر تقدمًا، فإن البقاء يصبح مكلفًا من الناحية الاقتصادية والنفسية. وقد يمتلك الشاب أرضًا أسرية صغيرة، لكنه لا يرغب بالضرورة في أن يقضي حياته كلها في نشاط محدود الدخل، يتأثر بالمناخ والأسعار وتكاليف المدخلات، ولا يضمن له دخلًا منتظمًا طوال العام.
وقد تتخرج فتاة ريفية من الجامعة وهي تمتلك مهارات في المحاسبة أو التكنولوجيا أو التصميم أو العلوم، لكنها لا تجد في محيطها فرصًا تستخدم هذه المهارات، فتضطر إلى البحث عنها في مدينة بعيدة، أو تتخلى عن جزء من إمكاناتها المهنية بسبب قيود النقل والعمل والرعاية الأسرية. لذلك فإن معالجة الهجرة لا تبدأ بمطالبة الشباب بالبقاء، بل بفهم الأسباب التي تجعلهم يغادرون، وبإعادة تنظيم الاقتصاد المحلي بحيث يصبح قادرًا على استيعاب تنوع قدراتهم وطموحاتهم. فالمكان لا يحتفظ بأبنائه بالشعارات، وإنما بقدرته على منحهم فرصة حقيقية لبناء حياة كريمة.
حدود الاقتصاد الزراعي في توفير مستقبل متنوع
تظل الزراعة أساسًا اقتصاديًا واجتماعيًا للريف، لكنها لا تستطيع وحدها، في كثير من المناطق، توفير جميع أنواع الوظائف التي يحتاج إليها مجتمع يتزايد فيه عدد المتعلمين وتتغير فيه تطلعات الأجيال الجديدة. فالعمل الزراعي يرتبط بمواسم ومراحل إنتاج محددة، وقد ترتفع الحاجة إلى العمالة في فترة الزراعة أو الحصاد، ثم تتراجع في فترات أخرى، كما تتأثر دخول العاملين بتقلبات الأسعار والطقس وتكاليف المياه والطاقة والأسمدة والنقل.
ولا يعني ذلك أن الزراعة نشاط متخلف أو أقل أهمية من الصناعة، بل يعني أن تحميلها وحدها مسؤولية توفير فرص العمل والدخل والاستقرار الاجتماعي يتجاوز أحيانًا قدرتها الفعلية. فالمشكلة ليست في أن الشباب لا يريدون الزراعة، وإنما في أن الاقتصاد الريفي قد لا يمنحهم سوى عدد محدود من المسارات المهنية المرتبطة بها. وهنا يظهر دور التصنيع في توسيع القاعدة الاقتصادية للريف؛ إذ يمكن أن تنشأ حول المحاصيل أنشطة في الفرز والتدريج والتبريد والتجفيف والتعبئة والتصنيع الغذائي، كما يمكن أن تتطور خدمات صيانة المعدات الزراعية، وإنتاج بعض المستلزمات، وإدارة المخازن، ومراقبة الجودة، والنقل والتوزيع والتسويق الرقمي. وبهذا لا تنفصل الصناعة عن الزراعة، بل تخلق حولها أنشطة تتيح استمرار العمل بعد انتهاء الموسم، وتفتح أبوابًا أمام الشباب الذين يمتلكون مهارات فنية أو إدارية أو علمية لا تجد مجالًا كافيًا داخل النشاط الزراعي التقليدي.
التصنيع الريفي يحول فرص العمل من موسم إلى مسار مهني
تكمن أهمية التصنيع في أنه يستطيع أن ينقل العمل من كونه نشاطًا مؤقتًا مرتبطًا بموسم إلى مسار مهني تتراكم فيه الخبرة وتتطور المهارة وتزداد المسؤولية مع الوقت. فالشاب الذي يبدأ عاملًا في وحدة لتجفيف المنتجات الزراعية قد يتعلم تدريجيًا تشغيل المعدات، وضبط درجات الحرارة، ومراقبة الرطوبة، وتقييم جودة المنتج، ثم ينتقل إلى مسؤولية إدارة خط الإنتاج أو صيانة الأجهزة أو متابعة المخزون. والشابة التي تبدأ في فرز المنتجات وتعبئتها يمكن أن تتطور مهنيًا نحو مراقبة الجودة أو إدارة المشتريات أو التسويق أو تصميم العبوات أو إدارة الحسابات.
وتزداد قيمة هذه المسارات حين تكون هناك برامج تدريب مرتبطة باحتياجات فعلية، ومؤسسات تمنح العاملين فرصة لتعلم مهارات جديدة، ومنشآت تستطيع التوسع في منتجاتها وأسواقها. فالمهم ليس مجرد توفير وظيفة، بل توفير طريق يمكن أن يتحرك الإنسان داخله من مستوى إلى آخر. أما الوظائف التي تظل منخفضة الأجر، ولا توفر تدريبًا، ولا تمنح العامل أي فرصة للتقدم، فقد تحقق زيادة عددية في التشغيل، لكنها لن تكون كافية لإقناع الشباب ببناء مستقبلهم حولها. لذلك ينبغي أن يُقاس نجاح التصنيع الريفي ليس بعدد الوظائف التي ينشئها في بدايته فقط، بل بجودة هذه الوظائف، واستقرارها، وقدرتها على تطوير الإنسان الذي يشغلها.
من القرية الزراعية إلى القرية متعددة القدرات
لا يعني التصنيع الريفي أن تتحول كل قرية إلى منطقة صناعية كبيرة، أو أن تُقام فيها منشآت لا تتناسب مع حجم مواردها أو أسواقها، بل يعني أن تتطور الأنشطة الاقتصادية انطلاقًا من المزايا والاحتياجات الحقيقية لكل منطقة. فقد تكون إحدى القرى مناسبة لتجفيف الطماطم أو البصل أو الأعشاب، بينما تتميز منطقة أخرى بإنتاج الألبان وتصنيع الجبن، وقد تمتلك قرية ثالثة خبرات في النجارة أو النسيج أو إصلاح المعدات الزراعية.
ويمكن لقرية رابعة أن تتخصص في فرز المحاصيل وتعبئتها وتخزينها، أو في تصنيع منتجات من مخلفات زراعية تتوافر فيها شروط الاستخدام الآمن والاقتصادي. وعندما تتطور هذه الأنشطة، لا تقتصر فرص العمل على العاملين داخل المنشأة؛ إذ تنشأ حولها خدمات للنقل والتوريد والصيانة والتغليف والمحاسبة والتسويق والتصميم والتدريب.
وهكذا يتوسع الاقتصاد المحلي من خلال شبكة من الأنشطة المتكاملة، بدلًا من الاعتماد على مشروع واحد أو مصدر دخل واحد. كما يصبح بإمكان الشباب اختيار مسارات مختلفة وفقًا لقدراتهم واهتماماتهم، من العمل الفني إلى إدارة المشروعات، ومن الخدمات الرقمية إلى الإنتاج الحرفي. وهذا التنوع هو أحد شروط قدرة الريف على الاحتفاظ بشبابه؛ لأن المجتمعات لا تستطيع بناء مستقبلها إذا لم توفر لأبنائها سوى مهنة واحدة أو نمط واحد من العمل.
التكنولوجيا لا تطرد الشباب بالضرورة، بل تحدد طبيعة الوظائف
قد يثير إدخال التكنولوجيا إلى الصناعة الريفية مخاوف من أن تؤدي الآلات إلى تقليل الحاجة إلى العمالة، خصوصًا في المناطق التي يمثل فيها توفير الوظائف أولوية اجتماعية. لكن العلاقة بين التكنولوجيا والتشغيل ليست علاقة ثابتة؛ إذ تتوقف نتائجها على نوع التكنولوجيا المستخدمة، وحجم المشروع، وطبيعة السوق، والمهارات المتاحة، وقدرة المنشأة على التوسع.
فقد تقلل آلة معينة الحاجة إلى بعض الأعمال اليدوية المتكررة، لكنها تخلق في الوقت نفسه احتياجًا إلى مشغلين وفنيي صيانة ومسؤولي جودة ومختصي تعبئة وإدارة إنتاج. كما يمكن للتقنيات الرقمية أن تساعد المشروعات الريفية على متابعة الطلبات والمخزون والأسعار، والوصول إلى العملاء، وتحسين تنظيم عمليات التوريد والتسليم. غير أن هذه الفرص لا تتحقق تلقائيًا؛ فإذا استورد المشروع المعدات دون تدريب، أو اعتمد على شركة خارجية في جميع أعمال الصيانة والتشغيل المتقدم، فقد تظل المعرفة الأساسية خارج المجتمع المحلي.
لذلك ينبغي أن يصاحب إدخال التكنولوجيا استثمار في الإنسان، من خلال التدريب العملي، والتلمذة المهنية، والتعاون مع المدارس الفنية والجامعات ومراكز البحث، وبناء القدرة على إصلاح المعدات وتكييفها مع ظروف التشغيل المحلية. فالتكنولوجيا الناجحة ليست التي تجعل الريف مجرد مستهلك للآلات، بل التي توسع قدرته على إنتاج المعرفة الفنية واستخدامها، وتجعل الشباب شركاء في تطوير العمل لا مجرد أفراد يتنافسون مع الآلات على الوظائف.
المرأة الريفية والشباب المتعلم في قلب التحول الصناعي
تتطلب التنمية الريفية النظر إلى الشباب باعتبارهم فئات متنوعة، لا كتلة واحدة تبحث عن أي وظيفة متاحة. فهناك من يمتلك مهارات تقنية، ومن يدرس تخصصات علمية أو تجارية، ومن لديه خبرة حرفية، ومن يرغب في تأسيس مشروع خاص، ومن يحتاج إلى فرصة تدريب أولى لدخول سوق العمل. كما أن النساء الريفيات قد يمتلكن مهارات تعليمية ومهنية وإدارية لا تجد طريقًا مناسبًا إلى الاقتصاد المحلي بسبب ضعف النقل أو محدودية فرص العمل المنظمة أو صعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والعمل. ويمكن للتصنيع الريفي أن يفتح مساحات أوسع لهذه القدرات، شريطة أن يُصمم على أساس المساواة في الفرص، وأن يوفر شروط عمل آمنة وأجورًا عادلة وإمكانات للتطور المهني، وألا يحصر النساء في الأعمال المنزلية غير المدفوعة أو الوظائف منخفضة العائد. ويمكن أن تشمل هذه المساحات إدارة الجودة، والتصميم، والتعبئة، والحسابات، والتسويق الإلكتروني، وإدارة المخزون، وتطوير المنتجات الغذائية، وغيرها من الأنشطة التي تستفيد من المهارات المختلفة. كما يمكن توفير برامج تدريب مرنة ومراكز عمل قريبة وخدمات نقل مناسبة، بحيث لا يكون الموقع الجغرافي عائقًا أمام المشاركة. وعندما يتيح الاقتصاد المحلي للشباب والنساء فرصًا تتوافق مع قدراتهم، فإنه لا يحتفظ بالأفراد فحسب، بل يستفيد من طاقات كان يمكن أن تبقى معطلة أو تُستخدم في أماكن أخرى.
لماذا لا تكفي إقامة المصانع لإقناع الشباب بالبقاء؟
قد تُنشأ منشأة صناعية في قرية، وتوفر عددًا من الوظائف، ثم يظل تأثيرها في الهجرة محدودًا إذا كانت الأجور ضعيفة، أو ساعات العمل غير مناسبة، أو فرص التقدم غائبة، أو الخدمات الأساسية غير متاحة. فقرار الشاب بالبقاء لا يرتبط بالوظيفة وحدها، بل بمنظومة الحياة التي تحيط بها. يحتاج الشاب إلى تعليم جيد لأبنائه مستقبلًا، ورعاية صحية مناسبة، ووسائل نقل موثوقة، واتصال رقمي فعال، وفرص للتعلم والترفيه والتواصل الاجتماعي. كما يحتاج إلى أن يشعر بأن بقاءه في القرية لا يضعه في موقع أقل من أقرانه الذين انتقلوا إلى المدن.
ومن ثم فإن التصنيع لا يستطيع وحده معالجة جميع أسباب الهجرة، لكنه يمكن أن يصبح ركيزة اقتصادية لخطة أوسع لتحسين الحياة الريفية. فالمصنع يوفر دخلًا وفرصًا مهنية، والطرق والنقل يربطان العامل بمكان عمله والأسواق، والمدارس الفنية تعد الكفاءات المطلوبة، والإنترنت يوسع إمكانات التعلم والتسويق، والخدمات الصحية والاجتماعية تجعل الاستقرار أكثر قابلية للاستمرار. إن التنمية المتوازنة لا تعني نقل جميع مظاهر المدينة إلى القرية، بل ضمان ألا يُحرم سكان الريف من الشروط الأساسية التي تسمح لهم بالعيش والعمل والتطور. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح البقاء خيارًا له مزايا واقعية، لا تنازلًا يقدمه الشاب عن طموحاته.
التمويل والأسواق شرط لبقاء المشروع وبقاء الوظيفة
لا يمكن أن تصبح الصناعة الريفية وسيلة مستقرة للتشغيل إذا قامت على مشروعات لا تمتلك فرصة حقيقية للاستمرار. فقد يحصل شاب على تمويل لإنشاء وحدة إنتاج صغيرة، لكنه يكتشف بعد شراء المعدات أن تكلفة المواد الخام أو الطاقة أو النقل أعلى مما توقع، أو أن المنتج لا يجد مشترين، أو أن المنافسين يقدمون جودة أفضل أو أسعارًا أقل. وفي هذه الحالة لا يخسر المشروع صاحبه وحده، بل قد تتبدد مدخراته، وتتراكم عليه الديون، ويفقد العاملون وظائفهم، وتضعف ثقة المجتمع في المبادرات الجديدة. لذلك يجب أن يبدأ دعم التصنيع الريفي بفهم السوق، وتحديد العملاء، واختبار الطلب، وحساب تكاليف التشغيل، وتقدير قدرة المشروع على المنافسة، قبل التوسع في شراء المعدات أو بناء المنشآت.
كما ينبغي أن تتنوع أدوات التمويل لتناسب طبيعة النشاط، وأن تُربط القروض بالتدريب والإرشاد الفني وخدمات التسويق، مع تجنب دفع الشباب إلى الاقتراض في مشروعات لا يملكون الخبرة الكافية لإدارتها. ويمكن أن تساعد مراكز الخدمات المشتركة والتعاونيات والعقود الواضحة مع المشترين في تخفيض بعض التكاليف وتخفيف المخاطر. والأهم أن تكون هناك شفافية في اختيار المستفيدين وإدارة المشروعات، حتى لا تتحول برامج التنمية إلى امتيازات محدودة لا تصل إلى أصحاب المبادرات الحقيقية. فالمشروع الذي يحقق مبيعات منتظمة ويغطي تكاليفه ويطور منتجاته هو الأقدر على توفير وظائف مستمرة، أما المشروع الذي يعتمد على الدعم وحده فقد ينتهي بانتهاء التمويل.
من العامل إلى صاحب المشروع.. بناء جيل من رواد الأعمال الريفيين
لا ينبغي أن تقتصر طموحات التصنيع الريفي على توظيف الشباب داخل المنشآت القائمة، بل يمكن أن تمتد إلى تمكينهم من تأسيس مشروعاتهم الخاصة حين تتوافر لديهم المهارة والخبرة والسوق والتمويل المناسب. فالشاب الذي يعمل سنوات في صيانة معدات التصنيع قد يصبح قادرًا على إنشاء ورشة متخصصة تخدم عددًا من المصانع، والعاملة التي تكتسب خبرة في تطوير المنتجات الغذائية يمكن أن تؤسس مشروعًا يستند إلى مواصفات واضحة ونظام موثوق للجودة، والخريج الذي يتعلم إدارة المخزون والتسويق الرقمي قد يطور خدمة تربط المنتجين بالمشترين. لكن ريادة الأعمال ليست وصفة سحرية لحل البطالة، ولا يجوز تحويلها إلى مطالبة لكل شاب بأن يصبح صاحب مشروع في اقتصاد لا يوفر له التمويل أو التدريب أو الحماية من المخاطر.
فالمطلوب هو بناء بيئة تجعل تأسيس المشروع ممكنًا لمن يمتلك فكرته وقدرته، من خلال حاضنات محلية، وإرشاد مهني، ومرافق إنتاج مشتركة، وإتاحة معلومات السوق، وتسهيل إجراءات التسجيل والامتثال، وتوفير فرص للتجربة قبل الاستثمار الكبير. كما ينبغي أن تتاح مسارات مهنية جيدة لمن يفضل العمل بأجر، لأن الاقتصاد السليم يحتاج إلى أصحاب المشروعات والعاملين المهرة معًا. والغاية ليست تحويل كل شاب إلى رجل أعمال، بل منحه القدرة على اختيار طريقه الاقتصادي بدلًا من أن تفرض عليه ندرة الفرص طريقًا واحدًا.
دور الدولة في تحويل التصنيع الريفي إلى سياسة تنموية
يتطلب التصنيع الريفي الناجح الانتقال من التعامل مع كل مشروع باعتباره حالة منفردة إلى بناء سياسة متكاملة تربط الصناعة بالزراعة والتعليم الفني والنقل والطاقة والتمويل والتسويق. وتبدأ هذه السياسة بإعداد خرائط للموارد والمهارات والمنتجات في المناطق الريفية، وتحديد الأنشطة التي تمتلك فرصًا واقعية للنمو، ثم تطوير بنية أساسية وخدمات فنية تناسبها.
كما ينبغي أن تتعاون الجهات الحكومية مع المنتجين والمستثمرين والمدارس الفنية والجامعات والجمعيات المحلية في تصميم برامج تدريب ترتبط بوظائف فعلية، لا بشهادات منفصلة عن احتياجات السوق. ويمكن للمشتريات العامة، حين تسمح القواعد والمواصفات بذلك، أن تفتح فرصًا للمشروعات المحلية المؤهلة، كما يمكن للجهات المختصة مساعدة هذه المشروعات على استيفاء معايير الجودة والسلامة والوصول إلى أسواق أوسع.
ويجب أن يُقاس نجاح السياسات من خلال مؤشرات تتجاوز عدد المصانع المنشأة، فتشمل استمرارية المشروعات، وجودة الوظائف، ومستويات الأجور، ومشاركة النساء، وتطور مهارات العاملين، وانخفاض الهجرة الاضطرارية، ومدى استفادة المجتمع المحلي من النشاط الاقتصادي. كذلك ينبغي ألا يُترك الريف للصناعات التي تبحث عن العمالة الأرخص أو عن بيئة أقل قدرة على الرقابة، بل يجب تطبيق معايير العمل والسلامة والبيئة بصورة عادلة. فالتصنيع الذي يقوم على استغلال العامل أو استنزاف الموارد قد يخلق وظائف مؤقتة، لكنه يضعف الأساس الذي يحتاج إليه الريف لبناء مستقبل مستقر.
نموذج عملي لبناء مسار صناعي يحتفظ بالشباب
يمكن البدء بنموذج تنفيذي في منطقة ريفية محددة، من خلال اختيار سلسلة إنتاج ترتبط بموارد موجودة بالفعل وتواجه مشكلة واضحة في التسويق أو التشغيل. فإذا كانت المنطقة تنتج محصولًا سريع التلف، مثل الطماطم أو بعض الفواكه، تبدأ الخطوة الأولى بقياس حجم الإنتاج الموسمي، ونسبة الفاقد، وتكاليف النقل، ومواصفات المشترين، ثم تُحدد الحاجة الفعلية إلى مركز فرز وتبريد أو وحدة تجفيف أو تصنيع غذائي. وفي الوقت نفسه، تُجرى دراسة للوظائف المطلوبة والمهارات المتاحة محليًا، وتُصمم برامج تدريب قصيرة وعملية بالتعاون مع منشآت قائمة ومدارس فنية. ثم يُنشأ المشروع على نطاق قابل للإدارة، مع توزيع واضح للمسؤوليات، ونظام مالي شفاف، واتفاقات توريد وتسويق، وخطة لصيانة المعدات وضمان الجودة. وتُعطى الأولوية في التدريب والتوظيف للكفاءات المحلية مع توفير فرص متساوية، ويُسمح للشباب بالتدرج من التشغيل إلى الإشراف والصيانة والإدارة وفق اكتسابهم للخبرة.
وبعد مرور فترة تشغيل كافية، تُراجع النتائج: هل انخفض الفاقد؟ هل أصبحت الوظائف أكثر انتظامًا؟ هل تحسن دخل المنتجين؟ هل اكتسب العاملون مهارات قابلة للاستخدام في مشروعات أخرى؟ وهل يستطيع المشروع تغطية تكاليفه والاستمرار دون دعم دائم؟ وإذا أثبت النموذج نجاحه، يمكن تطوير أنشطة مكملة حوله، مثل التعبئة والنقل والصيانة والتسويق، ثم تكرار التجربة في مناطق أخرى بعد تكييفها مع مواردها. وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يربط بين ثلاثة أهداف لا ينبغي فصلها: استدامة المشروع اقتصاديًا، وتطور قدرات الشباب مهنيًا، وتحسن قدرة المجتمع المحلي على تنظيم موارده. فلا يكفي أن يُقام مصنع في القرية؛ المطلوب أن يترك وراءه مهارات وعلاقات وخبرات تتيح قيام أنشطة جديدة حتى بعد تغير المنتجات أو الأسواق.
أن يبقى الشاب لأن المستقبل موجود في قريته
إن بقاء الشباب في الريف ليس غاية ينبغي فرضها عليهم، ولا يمكن تحقيقه بالحنين إلى الماضي أو تمجيد الحياة الزراعية أو مطالبتهم بتحمل صعوبات لا يواجهها أقرانهم في المدن. فالشاب من حقه أن يختار مكان حياته وعمله، وأن يسعى إلى التعليم والدخل والاستقلال وتحقيق ذاته. لكن العدالة تقتضي ألا تكون الهجرة هي الطريق الوحيد أمامه للوصول إلى هذه الحقوق، وألا يُحرم من فرصة بناء مستقبله لمجرد أنه وُلد في قرية بعيدة عن مراكز الاستثمار والخدمات.
وهنا يصبح التصنيع الريفي وسيلة لتوسيع الاختيارات، لا لإغلاقها؛ فهو يتيح للاقتصاد المحلي أن يستوعب مهارات جديدة، ويمنح الزراعة امتدادًا صناعيًا وخدميًا، ويخلق فرصًا يمكن أن تتطور مع تطور الإنسان نفسه.إن القرية التي تستطيع أن توفر لشبابها عملًا كريمًا، وتدريبًا جيدًا، وفرصة للتقدم، ومساحة لتأسيس المشروعات، لا تطلب منهم البقاء بدافع الواجب وحده، بل تجعل البقاء خيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا معقولًا. أما إذا ظل الريف يطالب أبناءه بالانتماء من دون أن يمنحهم فرصًا، فإنه يحمّل الأفراد مسؤولية اختلالات لم يصنعوها. فليس من العدل أن يُطلب من شاب متعلم أن يتخلى عن طموحه كي يحافظ على وجوده في قريته، بل المطلوب أن يتطور الاقتصاد الريفي بحيث يجد هذا الطموح طريقًا إلى العمل والإنتاج والابتكار داخل مجتمعه، أو يظل قادرًا على الحركة والعودة دون أن يكون مضطرًا إلى المغادرة نهائيًا.
والتصنيع هنا ليس وعدًا بأن تختفي الهجرة، ولا بديلًا عن التعليم والصحة والنقل والخدمات، لكنه أحد المفاتيح التي تسمح بإعادة التوازن بين المكان والفرصة. فعندما تتوافر صناعة مرتبطة بموارد المنطقة، وتدار على أسس اقتصادية سليمة، وتستثمر في الإنسان، فإنها لا توفر دخلًا فحسب، بل تبني ذاكرة مهنية جديدة للريف؛ ذاكرة تتراكم فيها الخبرة من جيل إلى جيل، وتتحول فيها المهارة إلى مصدر للثقة، والعمل إلى مسار للتقدم، والمبادرة إلى قدرة على التجدد. وعندئذ لا يعود الشاب مضطرًا إلى الاختيار بين الانتماء والطموح، ولا تكون القرية مجرد محطة يغادرها من يريد أن يتعلم أو يعمل أو يبتكر.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الشباب الذين بقوا في قراهم مهما كانت ظروفهم، بل بمدى اتساع قدرتهم على الاختيار، وبمدى توافر شروط الحياة والعمل الكريم أمامهم أينما قرروا أن يعيشوا. وإذا نجح التصنيع الريفي في بناء هذه الشروط، فسوف يصبح بقاء الشباب نتيجة لجاذبية الفرص لا نتيجة لغياب البدائل، وستصبح مغادرة القرية قرارًا اختياريًا لا استجابة لانسداد الأفق. عندها فقط يتحول التصنيع من نشاط اقتصادي محدود إلى قوة تعيد وصل الإنسان بأرضه ومجتمعه ومستقبله، وتمنح الريف فرصة ألا يفقد شبابه كي يتقدم، بل أن يتقدم لأن شبابه وجدوا فيه ما يستحق أن يبنوا من أجله حياتهم.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



