الطيور المهاجرة في ضيافة مصر… حماية الرحلة تبدأ من الحقل
"البحيرات والمصارف وحواف الأراضي الزراعية محطات للحياة.. والفلاح شريك في صون المياه والتنوع الحيوي"

إعداد: أ.د.قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات
حين يشاهد الفلاح أسراب الطيور تعبر فوق حقله، فإنه يرى جانبًا من رحلة طويلة تربط بين قارات، وتتوقف سلامتها على توافر الماء والغذاء ومحطات الراحة. وقد تبدو هذه الأسراب ضيفًا عابرًا، لكن حضورها يفتح أمامنا سؤالًا يمس مستقبل الريف: كيف ننتج غذاءنا ونطور قرانا، مع الحفاظ على الكائنات التي تشاركنا الأرض والمياه؟
تحتل مصر موقعًا مهمًا على خريطة هجرة الطيور، وتجمع بين سواحل وبحيرات وأراضٍ رطبة وبيئات زراعية متنوعة. وتضعها هذه الجغرافيا أمام مسؤولية تتجاوز استقبال مشهد جميل في السماء، إلى حماية مسارات ومحطات تعتمد عليها الحياة عامًا بعد عام. وللفلاح والجمعية الزراعية والمدرسة الريفية والإرشاد الزراعي أدوار يمكن أن تبدأ بخطوات بسيطة، لكنها تصنع فارقًا حين تتكامل.
مصر جسر للعبور
يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن مسار الوادي المتصدع والبحر الأحمر تستخدمه سنويًا أكثر من مليوني طائر من الطيور الحوامة، في رحلتها بين مناطق التكاثر في أوروبا وغرب آسيا ومناطق قضاء الشتاء في أفريقيا. وتشمل هذه الطيور الجوارح واللقالق والبجع وغيرها. ويخص هذا العدد المسار المذكور، ولا يمثل حصرًا لكل الطيور المهاجرة التي تدخل مصر.
وتختلف احتياجات الطيور خلال الرحلة؛ فبعضها يواصل العبور، وبعضها يحتاج إلى التوقف، بينما تقضي أنواع أخرى الشتاء في البيئات المصرية. ولذلك تتكامل أهمية الممرات الهوائية مع أهمية المواقع التي تجد فيها الطيور احتياجاتها. فأمان الرحلة يرتبط بما يحدث على الأرض بقدر ارتباطه بما يجري في السماء.
حماية المياه تخدم الجميع
يعرف الفلاح قيمة الماء، ويعرف أن تلوثه ينعكس على الأرض والإنتاج والحياة اليومية. ومن هذه النقطة يمكن أن يبدأ الحديث عن حماية الطيور؛ فصون البحيرات والمجاري المائية والمناطق الرطبة مصلحة مشتركة للإنسان والكائنات التي تعيش حوله.
وحين تُلقى المخلفات وعبوات المبيدات في المياه، تتسع دائرة الضرر إلى ما وراء حدود الحقل. ولهذا ينبغي تعزيز جمع العبوات والتخلص الآمن منها وفق التعليمات المعتمدة، ومنع إلقاء الحيوانات النافقة والمخلفات في الترع والمصارف، وتحسين خدمات النظافة بالقرى.
كما تحتاج أعمال تطهير المجاري المائية وإدارة جوانبها إلى تنسيق بين الجهات المختصة، يحقق كفاءة مرور المياه ويراعي الاعتبارات البيئية. ويمكن للإرشاد الزراعي أن يشرح هذه العلاقة بلغة عملية، تربط حماية المورد المائي بصحة الأسرة وجودة البيئة المحيطة بالمزرعة.
إدارة واعية للمبيدات
ومن داخل الحقل تبرز أهمية الاستخدام الرشيد للمبيدات، والالتزام بالمستحضرات المسجلة والجرعات وطرق التطبيق الموصى بها. فقرار المكافحة ينبغي أن يستند إلى تشخيص صحيح ومشورة متخصصة، مع تجنب الخلط العشوائي والإفراط في الرش.
وتتيح الإدارة المتكاملة للآفات إطارًا يجمع بين متابعة الإصابة والوسائل الزراعية والحيوية والكيميائية المناسبة. وفي هذا السياق، ينبغي توعية المزارعين بخطورة استخدام الطعوم المسمومة بصورة عشوائية، لما قد يترتب عليها من أضرار تتجاوز الكائن المستهدف.
ولا يصح إصدار حكم واحد على جميع الطيور الموجودة بالحقول؛ فالأنواع تختلف في غذائها وسلوكها وعلاقتها بالمحاصيل. وإذا ظهرت خسائر مرتبطة بنوع معين، فإن البداية السليمة هي تحديده وتقدير الضرر والاستعانة بالمختصين لاختيار وسائل حماية مناسبة، بدلًا من التعامل مع كل طائر بوصفه عدوًا للمزرعة.
تنمية تحسب حساب الأجنحة
ولا تتوقف المسؤولية عند حدود الريف، فمشروعات الطاقة والبنية الأساسية تحتاج بدورها إلى مراعاة مسارات الهجرة. وتقدم التجربة المصرية في بعض مشروعات الرياح مثالًا على إمكانية الجمع بين إنتاج الطاقة وحماية الطيور، من خلال تطبيق «الإيقاف عند الطلب».
وتقوم الفكرة على الرصد وتقدير الخطر، ثم إيقاف التوربينات المعنية مؤقتًا عند الضرورة أثناء مرور الأسراب. وتوضح هذه التجربة قيمة المعرفة الميدانية في اتخاذ القرار، وأهمية إدخال الاعتبارات البيئية في اختيار المواقع والتصميم والتشغيل.
وهو درس يمكن أن يفيد مختلف المشروعات: كلما بدأ التخطيط بمعلومات أدق عن المكان وموارده وكائناته، زادت فرص تقليل المشكلات وتجنب تكاليف معالجتها لاحقًا.
الجمعية الزراعية بوابة للتوعية
وأقترح أن تتبنى الجمعيات الزراعية، بالتعاون مع الإرشاد والجامعات والجهات البيئية المختصة، لقاءات قصيرة خلال مواسم الهجرة. ويمكن أن تتناول التعرف إلى الطيور الشائعة، وحماية المياه، والاستخدام المسؤول للمبيدات، والتصرف المناسب عند العثور على طائر مصاب.
كما تستطيع المدارس ومراكز الشباب تنظيم أنشطة للمشاهدة من مسافة آمنة، وتدريب المشاركين على تسجيل المكان والتاريخ والعدد التقريبي، والاستعانة بالمتخصصين عند صعوبة تحديد النوع. فالمشاهدة الموثقة يمكن أن تتحول إلى معلومة مفيدة، بينما يضعف التخمين قيمة التسجيل.
وينبغي أن تقترن هذه الأنشطة باحترام الطيور وموائلها؛ فلا مطاردة للحصول على صورة، ولا إمساك بها للاستعراض، ولا إزعاج لتجمعاتها. ويمكن للصور والملاحظات أن تُشارك عبر برامج الرصد المعتمدة، وفق إرشادات القائمين عليها.
فرصة لشباب القرى
وقد تفتح مراقبة الطيور مجالًا لخدمات محلية منظمة، تشمل الإرشاد البيئي والتصوير والضيافة، حيث تتوافر المواقع المناسبة وشروط الزيارة المسؤولة. ووثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تدريب نساء وشباب في مصر على التعرف إلى الطيور ورصدها ضمن جهود الحماية المرتبطة بمشروعات الرياح.
وتشير هذه الخبرة إلى قيمة الاستثمار في المهارات، وإشراك السكان في حماية الموارد الموجودة حولهم. ويمكن للجامعات أن تسهم بالتدريب، وللجمعيات الأهلية بالتنظيم، وللإعلام الزراعي بتقديم نماذج عملية تشجع المشاركة.
إن حماية الطيور المهاجرة تبدأ من قرارات يومية: مياه نحافظ عليها، ومبيد نستخدمه بوعي، ومخلفات نجمعها، ومشاهدة نسجلها بدقة. وحين يصبح الفلاح شريكًا في هذه الجهود، تتسع قيمة الحقل؛ فينتج الغذاء، ويسهم في صون بيئة قادرة على استقبال الحياة ومساندة رحلتها.
المصدر:
Yassin, F. E. (2024, May 12). Crossing Egypt: Migratory birds fly home safely this season. United Nations Development Programme. https://www.undp.org/arab-states/blog/crossing-egypt-migratory-birds-fly-home-safely-season



