رأى

الذكاء الاصطناعي يهدد البشرية

هل البشرية على أعتاب نهايتها؟

بقلم: أ.د.حسان حجازي

رئيس بحوث بقسم بحوث المجتمع الريفي بمعهد بحوث الإرشاد الزراعي – مركز البحوث الزراعية

في منتصف العقد الأخير من القرن المنصرم، نشر إمبراطور البرمجيات وأحد أكثر الرجال ثراءً في العالم، «بيل جيتس»، كتابه The Road Ahead، والذي تُرجم إلى العربية ونُشر ضمن سلسلة عالم المعرفة بدولة الكويت تحت عنوان «المعلوماتية بعد الإنترنت ـ طريق المستقبل». لقد سيطرت على بيل جيتس في كتابه هذا مجموعة من الأفكار المفعمة بالتفاؤل تجاه مستقبل المعلومات بعد الإنترنت، أو ما اصطلح على تسميته «طريق المعلومات السريع».

ويمكننا هنا اقتباس تلك الفقرة من كتابه، والتي تظهر بشكل جلي وجهة نظره هذه، وفق ما خطه بنفسه في هذا الكتاب: «إننا نبدأ جميعًا الآن رحلة كبرى أخرى، ونحن لا نعرف على وجه اليقين أين تؤدي بنا هذه الرحلة أيضًا؛ لكنني على يقين مرة أخرى من أن هذه الثورة ستؤثر في حياة أعداد أكبر من الناس، وستأخذنا جميعًا إلى ما هو أبعد؛ وسوف تتمثل التغيرات الرئيسية القادمة في الطريقة التي يتصل فيها الناس بعضهم ببعض، وستكون الفوائد والمشكلات المترتبة على هذه الثورة الوشيكة في مجال الاتصالات أكبر من تلك التي ترتبت على ثورة الكمبيوتر الشخصي». ما الذي تغير؟ وما الذي جعل أسطورة البرمجة ومؤسس شركة مايكروسوفت يعرب عن قلقه، بل خوفه الشديد من القادم، في ظل تسارع تطوير برامج وأنظمة الذكاء الاصطناعي؟

في يوم الأربعاء الموافق 26 أغسطس 2026م، نشر بيل جيتس على موقعه الشخصي مقالًا صرّح من خلاله بأن الوتيرة «المذهلة» لتطور الذكاء الاصطناعي تقود العالم إلى «واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ البشرية». لقد أطلق تحذيرات عدة تنذر بأننا مقبلون على كارثة تهدد البشرية إذا لم ننتبه ونأخذ الاحتياطات اللازمة للحد من آثارها المدمرة.

ورغم إشادة «جيتس» بالفوائد والمنافع المحتملة للذكاء الاصطناعي، والتي تتضمن القدرة المحتملة على تحقيق اختراقات علمية، إلا أن الزمن المتاح أمام العالم لوضع القواعد وبناء المؤسسات اللازمة ليس بالكبير، فلا بد من الإسراع في الأمر قبل أن تصبح تداعيات هذه التكنولوجيا أكثر صعوبة بكثير في إدارتها. وكتب أنه «لا توجد خطة لتهيئة انتقال سلس إلى عصر الذكاء الاصطناعي». واستنادًا إلى تصريحات «جيتس»، يمكن إبراز أهم المخاوف من نمو استخدام الذكاء الاصطناعي فيما يلي:

– الذكاء الاصطناعي يتطور وينتشر بسرعة فائقة: لا تجعل الثورات التكنولوجية السابقة دليلًا كافيًا على ما ينتظر البشر؛ فالعوائق التي تواجه الذكاء الاصطناعي أقل بكثير من تلك التي واجهت انتشار استخدام أجهزة الكمبيوتر، فهو يعمل على الأجهزة التي يمتلكها الناس بالفعل، ويتواصل باللغة العادية، ويمكنه التعلم من المواد والبيانات ذاتها التي يستخدمها البشر، أو على حد تعبيره: «لسنا بحاجة إلى التكيف معه، لأنه قادر على التكيف معنا». ويرى «جيتس» أن الذكاء الاصطناعي يتجاوز قدرة الجهات التنظيمية على وضع قواعد فعالة له، محذرًا الحكومات من أنها ليست لديها رفاهية الانتظار لئلا تصبح الأزمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي واقعًا مرئيًا قبل التحرك؛ فلا بد من بناء المؤسسات، ودعم التنسيق بين الجهات الحكومية، ووضع قواعد ومعايير دولية قبل تفجر المشكلات.

– الذكاء الاصطناعي وقوة العمل: الوظائف التي قد يلغيها الذكاء الاصطناعي لن تعود مجددًا؛ لأن التكنولوجيا أضحت قادرة على أداء العمل المعرفي بنفسها. فكثير من الوظائف، وخاصة المبتدئة والمتوسطة منها، معرضة للإلغاء؛ لأن قدرة آليات الذكاء الاصطناعي تزداد بسرعة فائقة، وباتت تحل محل الكثير من الوظائف التكنولوجية التي احتكرها البشر لفترات طويلة. فبمضي الوقت، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بمهام تتفاوت بين تقييم طلبات القروض وتحليل البيانات وفرز المرضى.

والنتيجة أن الشركات سوف تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي من أجل خفض التكاليف وتحقيق وفورات كبيرة، والتي تتيح للشركات حوافز مالية هائلة تجعلها تستغني عن البشر وتخرجهم من العملية الإنتاجية بشكل تام؛ الأمر الذي سوف يقود إلى كثير من الاضطرابات والضغوطات التي يجب على الحكومات أن تتحسب لها، وعليها أن تضع القوانين وتصيغ السياسات للحد من تأثير هذه المشكلات والأزمات المتوقعة أو لمواجهتها.

– الذكاء الاصطناعي يقضي على الإبداع ويحد من ذكاء البشر: لعل أكبر المخاوف والاتهامات الموجهة لنمو الذكاء الاصطناعي هو زيادة اعتماد البشر عليه؛ فمهارات الإبداع البشري لم تتطور مرة واحدة، ولكنها نمت وتطورت على مدار مئات الآلاف من السنين منذ لحظة هبوط الإنسان الأول على الأرض. لقد تشكلت مهارات الإنسان بفعل تعرضه لمواقف شتى وأحداث عظام، حاول من خلال تفكيره وشحذ ذهنه مجابهة تلك الظروف والمواقف، الأمر الذي دفعه إلى اختراع أدوات وأساليب وابتكارات جديدة بشكل مستمر، اعتمادًا على ذكائه الفطري. بيد أن الأمر يتغير الآن؛ فزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي تعني ترك الإنسان مساحة التفكير لديه لصالح الآلة، وهو ما يشكل في النهاية تهديدًا للإبداع البشري، وتراجعًا أو تأثيرًا سلبيًا على ذكاء الإنسان.

– الذكاء الاصطناعي قد يقضي على العلاقات الإنسانية: تُعد العلاقات الإنسانية السمة المميزة للحياة البشرية، فهي لا تعتمد على معيار الكفاءة الاقتصادية، ولكنها شيء موضوعي أعمق يعود إلى طبيعة البشر أنفسهم ونفخة الروح الأولى. فزيادة الاعتماد على الآلة «الروبوت» قد تزيد من العزلة الاجتماعية واكتفاء الإنسان بالآلة دون البشر، أو وفقًا لما قاله بيل جيتس نفسه: «بما أن الذكاء الاصطناعي متاح باستمرار، ومتوافق عادة مع رغبات المستخدم، وقادر على التكيف مع تفضيلاته، فإنه قد يصبح مسببًا للإدمان ويثني الناس عن خوض التفاعلات الإنسانية غير المريحة، رغم أهميتها». مما يعني تفريغ الحياة الإنسانية من مضمونها الاجتماعي، وهو ما يهدد وجودنا الاجتماعي على الأرض وبداية تلاشي المجتمع الإنساني بشكله الواقعي.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى