رأى

التشريعات الحيوية: هل نحن بحاجة إلى “قانون كريسبر” مصري؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

القفزة التقنية في انتظار قفزة قانونية

في معامل مركز البحوث الزراعية، تقبع حلول جينية لمشكلات زراعية مستعصية، جاهزة للنزول إلى الحقل. أصناف من القمح تتحمل العطش، وأخرى من البطاطس تقاوم الأمراض، جميعها نتاج تقنية كريسبر الدقيقة. لكن بين المعمل والحقل يقف حاجز غير مرئي، ليس تقنيًا بل تشريعيًا. إنه إطار قانوني صُمم في زمن مختلف، لمواجهة تقنيات مختلفة، فتحول من أداة حماية إلى عائق للتقدم.

المفارقة التشريعية: قوانين الأمس لحقائق اليوم

تعامل التشريعات المصرية الحالية، المستمدة من اتفاقية قرطاجنة للسلامة الأحيائية، نباتات التحرير الجيني كما تعامل الكائنات المحورة جينيًا التقليدية. هذه المعاملة تتجاهل الفرق الجوهري بين التقنيتين. إنها بمثابة إلزام سائق سيارة كهربائية حديثة بقواعد صُممت لقطار بخاري من القرن التاسع عشر؛ كلاهما ينقل، لكن الآلية والمخاطر مختلفة جذريًا.

الفرق الجوهري: بين الاستعمار الجيني والتصحيح الداخلي

التعديل الوراثي التقليدي (GMO) كان أشبه بإدخال فصل كامل من كتاب أجنبي في منتصف مخطوطة مصرية. كان ينتج كائنًا يحمل مادة وراثية غريبة، مما يفرض أسئلة مشروعة عن التأثيرات غير المتوقعة والتبعية للشركات المالكة لتلك الجينات.

أما تحرير الجينوم بكريسبر، فهو تصحيح حرف واحد مخطوء في نفس المخطوطة المصرية، باستخدام قاموس اللغة الأصلية. الناتج لا يحمل أي مادة غريبة، بل هو استعادة لكفاءة كان النبات يمتلكها أو يمكنه امتلاكها عبر الطفرات الطبيعية، لكننا نقوم بها بدقة وسرعة قياسيتين.

قصة: المخطوطة المنسية ومفتاح المستقبل

في أرشيف بنك الجينات، عثرت الباحثة الشابة مريم على عينات نادرة من فول بلدي يعود لتجارب أُجريت قبل أربعين عامًا. السجلات الورقية الباهتة ذكرت أن هذه العينات أظهرت مقاومة استثنائية لنيماتودا التعقد الجذري، لكن سبب ذلك ظل مجهولًا.

باستخدام تقنيات التسلسل الحديثة، اكتشفت مريم أن السر في طفرة طبيعية في جين واحد. قررت استخدام كريسبر لنقل هذه الطفرة المفيدة إلى الأصناف التجارية الحديثة التي فقدت هذه المقاومة. العملية نجحت في المعمل، وقدمت حلًا لمشكلة تكلف المزارعين ملايين الجنيهات سنويًا.

لكن عندما تقدمت بالمشروع للجنة السلامة الحيوية، واجهت سؤالًا محيرًا: “أين نصنف هذا؟ هل هو كائن معدل؟”. الملف دخل في دائرة من التشاور بين هيئات متعددة، كل منها تنتظر الأخرى لتحديد الإجراء. الحل العلمي الواضح وقع في فخ التعريف القانوني الغائم.

عواقب الفراغ التشريعي: إهدار للوقت والموارد والفرص

غياب إطار تشريعي واضح للتعامل مع مخرجات التحرير الجيني لا يعني فقط تأخير وصول التقنية للحقل، بل يعني أيضًا:

هجرة العقول العلمية إلى دول ذات قوانين أكثر وضوحًا، حيث يمكن لأبحاثهم أن تتحول إلى تطبيقات فعلية.

احتكار الشركات الدولية للساحة، حيث تستطيع هذه الشركات العمل في مناخ عالمي متنوع، بينما تظل المؤسسات البحثية الوطنية مقيدة بأطر قديمة.

ضياع الفرصة التاريخية لجعل مصر مركزًا إقليميًا لبحوث التحرير الجيني الموجهة لمشكلات المناطق الجافة وشبه الجافة.

النماذج العالمية: إضاءات على الطريق

لمواجهة هذا التحدي، نظرت عدة دول إلى تشريعاتها بتجديد:

في اليابان، قررت السلطات أن المنتجات الناتجة عن تحرير الجينوم والتي لا تحتوي على حمض نووي غريب لا تخضع لقيود الكائنات المحورة جينيًا. هذا القرار حوّل اليابان إلى بيئة جاذبة للاستثمار في هذا المجال.

في الأرجنتين، تم اعتماد مبدأ “المقارنة بالمثيل” – إذا كان المنتج النهائي لا يمكن تمييزه عن ناتج الطرق التقليدية، يُعامل معاملته. هذا خلق مرونة حقيقية.

أما في الاتحاد الأوروبي، فإن الحكم الصارم الذي يعامل جميع منتجات التحرير الجيني معاملة الكائنات المحورة جينيًا، بغض النظر عن وجود مواد وراثية غريبة من عدمه، أدى إلى شل حركة البحث التطبيقي في هذا المجال، وهو درس عكسي يجب أن نتعلم منه.

مقترح الإطار التشريعي المصري: الذكاء في التمييز

ما نحتاجه ليس إلغاءً للرقابة، بل رقابة ذكية تميز بين أنواع المخاطر. نقترح نظامًا ذا مستويين:

المستوى الأول: لمنتجات التصويب الجيني الدقيق
ويشمل المنتجات التي لا تحتوي على أي مواد وراثية غريبة، ويكون الخاضع للتعديل جينًا موجودًا أصلًا في النوع نفسه أو في أنواع قريبة يمكن التهجين معها تقليديًا. هذه المنتجات يجب أن تخضع لنظام “الإخطار والتقييم السريع”، مع متابعة ما بعد التداول، ويكون طريقها إلى السوق أقصر وأقل تكلفة.

المستوى الثاني: لمنتجات الإضافة الجينية
ويشمل المنتجات التي تحتوي على مواد وراثية من كائنات لا يمكن التهجين معها طبيعيًا. هذه تظل تحت نظام الرقابة المشددة والتقييم المطول، كما هو الحال حاليًا مع الكائنات المحورة جينيًا التقليدية.

الركائز الأساسية لقانون مصري للتحرير الجيني

الهيئة الوطنية للأخلاقيات والسلامة الحيوية
يجب إنشاء هيئة مستقلة تضم خبراء في التقنية الحيوية، القانون، الزراعة، البيئة، وعلماء دين وممثلين للمجتمع المدني. مهمتها ليست منع التقدم، بل وضع إطار أخلاقي وآمن له.

مبدأ الشفافية الكاملة
كل منتج يجب أن يكون له “باسبور جيني” يوضح بالضبط طبيعة التعديل، موقعه، والغرض منه. هذه المعلومات يجب أن تكون متاحة للجهات الرقابية وللمستهلك الراغب في المعرفة.

نظام المسؤولية الممتدة
يجب أن تتحمل الجهة المطورة والمروج للمنتج المسؤولية عن متابعته في السوق لفترة كافية، مع وجود نظام تأمين إجباري يغطي أي أضرار غير متوقعة.

التكلفة الحقيقية للتأخير

كل يوم يمر دون وجود إطار تشريعي واضح، نخسر أكثر من مجرد وقت. نخسر فرصة لتقليل فاتورة استيراد القمح عندما نطور أصنافًا محلية عالية الإنتاجية. نخسر فرصة لتقليل استخدام المبيدات عندما نطور محاصيل مقاومة للأمراض. نخسر فرصة لمواجهة التغير المناخي عندما نطور محاصيل تتحمل الجفاف والملوحة.

الخاتمة: القانون كجسر لا كحاجز

التشريعات الجديدة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة عملية. إنها الجسر الذي يعبر عليه الابتكار من المعمل إلى الحقل، من النظرية إلى التطبيق، من حلم الباحث إلى طبق المواطن.

قانون كريسبر المصري الذي ننشده ليس وثيقة تحرر العلماء من المسؤولية، بل هي وثيقة تحدد مسؤولياتهم بوضوح في ظل تقنيات جديدة. ليس تصريحًا للعبث، بل إطارًا منظمًا للابتكار المسؤول.

السؤال الآن: هل نريد أن نكون متفرجين على الثورة الجينية العالمية، أم مشاركين فاعلين فيها؟ الإجابة تبدأ بخطوة تشريعية ذكية، تعرف كيف تميز بين الخطر الحقيقي والخيالي، بين الغريب والأصيل، بين الماضي الذي يجب أن نحترم حكمته والمستقبل الذي يجب أن نعد أدواته.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى