هل حان الوقت للرحيل من هذا العالم؟

بقلم: د.أسامة بدير
سؤال يفرض نفسه كل يوم، ليس لأن الحياة فقدت قيمتها، بل لأن كثيراً مما كان يمنحها معناها الجميل يتآكل أمام أعيننا. سؤال يتردد في الذهن كلما رأيت الكذب يتحول إلى مهارة، والنفاق إلى وسيلة للنجاح، والانتهازية إلى سلوك يومي لا يستحي أصحابه منه.
هل حان الوقت للرحيل من عالم أصبحت فيه المصالح هي المعيار الوحيد للعلاقات الإنسانية؟ عالم يُقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما يحمل من قيم ومبادئ؟ عالم تراجعت فيه الأخلاق إلى المقاعد الخلفية، وتقدمت الأنانية لتجلس على عرش السلوك الاجتماعي؟
لقد انتشرت أمراض اجتماعية خبيثة لا تقل خطورة عن أخطر الأوبئة. أمراض لا تفتك بالأجساد، بل بالعقول والضمائر. أصبح الحسد ثقافة، والتشفي متعة، والتنمر مادة للتسلية، والشماتة سلوكاً يمارسه البعض بلا خجل. تراجعت الرحمة، وانكمشت مساحات التسامح، وحلّت القسوة محل التعاطف، حتى أصبح كثيرون يتعاملون مع الآخرين وكأنهم خصوم في معركة دائمة.
ما يؤلمني حقاً ليس وجود الخطأ، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، بل اعتياد الناس عليه حتى أصبح طبيعياً ومقبولاً. أصبح الكذب وجهة نظر، والخيانة مجرد “شطارة”، واستغلال النفوذ حقاً مكتسباً، والالتفاف على القوانين نوعاً من الذكاء. وعندما تختلط المفاهيم إلى هذا الحد، تصبح الحقيقة غريبة وسط الضجيج.
يقيني أن هذه الأمراض سممت الأفكار والمعتقدات والقيم، وخلقت أجيالاً تعيش في حالة من التشوش الأخلاقي. أجيال ترى المشاهير قدوة مهما كانت أفعالهم، وتبحث عن الشهرة بأي ثمن، وتلهث خلف المظاهر ولو على حساب الجوهر. أجيال تُقاس فيها القيمة بعدد المتابعين لا بحجم الإنجاز، وبكمية الضجيج لا بعمق الفكر.
اعتقد أن الأمر لم يعد مقتصراً على الأفراد، بل امتد إلى كيانات ومؤسسات كاملة. تراجعت لغة الحوار، وارتفعت أصوات التعصب والكراهية. أصبح الاختلاف سبباً للعداء بدلاً من أن يكون مصدراً للتنوع والإثراء. وأصبح البعض يرفض الاستماع قبل أن يفهم، ويحكم قبل أن يعرف، ويدين قبل أن يتحقق.
ومع كل ذلك، يبقى السؤال: هل حان الوقت للرحيل من هذا العالم؟
الإجابة، رغم كل هذا السواد، هي لا.
ليس لأن الواقع جميل، بل لأن الاستسلام له هزيمة مجانية. وليس لأن الفساد قليل، بل لأن الخير ما زال موجوداً. فوسط هذا الركام الأخلاقي لا تزال هناك قلوب نقية، وعقول واعية، وأشخاص يتمسكون بالمبادئ رغم صعوبة الطريق. لا تزال هناك نماذج مشرفة ترفض الانحدار، وتقاوم تيار التفاهة، وتؤمن بأن الأخلاق ليست موضة عابرة، بل أساس بقاء المجتمعات.
ربما لا يكون الوقت قد حان للرحيل من العالم، لكنه بالتأكيد وقت مناسب لمراجعة أنفسنا، ومواجهة أمراضنا الاجتماعية بشجاعة، وإعادة الاعتبار للقيم التي صنعت حضارتنا وهويتنا. فالأمم لا تسقط حين تضعف مواردها، بل حين تتآكل أخلاقها. والمجتمعات لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل عندما يصبح الانحدار الأخلاقي أمراً عادياً لا يثير القلق.
لهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع المجتمع الذي أعيش فيه، بل مع كل فكرة فاسدة تحاول أن تستوطن عقولنا، ومع كل سلوك منحرف نحاول تبريره، ومع كل قيمة جميلة نسمح لها أن تموت بصمت.
فهل حان وقت الرحيل من هذا العالم؟ أم حان وقت إنقاذ ما تبقى منه؟
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


