رئيس التحرير

من داخل مول مصر إلى موائد الفقراء

بقلم: د.أسامة بدير

منذ زيارتي لـ«مول مصر» مساء الخميس الماضي، وأنا أحمل في ذهني مجموعة من المشاهد التي استوقفتني وأثارت داخلي كثيراً من علامات الاستفهام. لم تكن زيارتي مختلفة عن زيارات أي مواطن لمكان عام، لكن ما رأيته هذه المرة دفعني إلى التوقف والتأمل في بعض أنماط الاستهلاك التي أصبحت حاضرة بقوة لدى شريحة من المصريين.

أول ما استوقفني كان الزحام الشديد داخل المول؛ زحام شعرت معه للحظات وكأن مصر كلها جاءت إلى المكان في تلك الليلة. لم يكن الأمر مجرد نزهة أو فرجة، وإنما كان هناك إقبال واضح على الشراء، وبصورة لافتة داخل المطاعم ومحال المشروبات والأغذية. طوابير طويلة تمتد لأمتار، ومواطنون يقفون في انتظار دورهم للحصول على مشروبات.

وبدافع الفضول، اقتربت من أحد العاملين في أحد هذه المحال، ولن أذكر اسمه حتى لا يتحول الحديث إلى دعاية مجانية له. ألقيت نظرة سريعة على قائمة الأسعار المعلنة، فوجدت أن أسعار بعض المشروبات تتراوح تقريباً بين 130 و300 جنيه. فسألت المسؤول: لماذا كل هذا الزحام؟ هل تقدمون المشروبات مجاناً؟ هل هناك هدايا أو عروض خاصة؟

كانت إجابته بالنسبة لي أكثر إثارة للدهشة من الزحام نفسه؛ قال لي إن الأمر لا يتعلق بعروض أو مشروبات مجانية، وإنما لأنهم يقدمون مشروباً يرون أنهم ينفردون به ويستوردونه من الولايات المتحدة الأمريكية كمنتج خاص بهم.

هنا توقفت طويلًا أمام المشهد.

أنا لا أعارض أن ينفق الإنسان من ماله كما يشاء، ولا أرى مشكلة في أن يستمتع المواطن بثمرة تعبه، لكنني أتساءل: هل وصل بنا الأمر إلى أن نقف طوابير طويلة وندفع مئات الجنيهات في مشروب؟ وهل أصبح التميز بالنسبة للبعض مرتبطاً بالسعر المرتفع والمنتج المستورد أكثر من ارتباطه بالقيمة الحقيقية لما نشتريه؟

كما لم يكن هذا المشهد هو الأكثر إثارة للتساؤل.

ففي منطقة المطاعم، كان الزحام أشد وضوحاً. بالكاد وجدت مكاناً للجلوس، وكانت غالبية الموائد مشغولة بأسر وشباب وأطفال وكبار سن، والجميع تقريباً يتناولون الوجبات السريعة بشهية ونهم واضحين، رغم ما نعرفه جميعاً عن ضرورة الاعتدال في تناول هذه الأطعمة، خصوصاً في ساعات متأخرة من الليل.

أنا هنا لا أمارس دور الطبيب ولا أريد أن أفرض على أحد ماذا يأكل أو يشرب، لكنني أرى أن المشكلة تتجاوز وجبة أو مشروباً. المشكلة في السلوك الاستهلاكي نفسه عندما يتحول من احتياج إلى استعراض، ومن متعة بسيطة إلى سباق على الإنفاق.

والشاهد بالنسبة لي أن المشاهد لم تتوقف عند الطعام والشراب. فقد لفت نظري أيضاً حجم الإنفاق على الملابس والإكسسوارات والهدايا وغيرها من السلع، في مشهد يعكس قدرة شرائية كبيرة لدى شريحة من المجتمع، أو على الأقل استعداداً كبيراً للإنفاق حتى عندما لا تكون كل هذه المشتريات من الضروريات.

وأؤكد أنني لا أكتب هذا المقال اعتراضاً على الرفاهية، ولا حسداً لمن يستطيع أن ينفق. فمن حق كل إنسان أن يستمتع بماله، وأن يشتري ما يحب، وأن يعيش حياة كريمة. لكن ما أراه يستحق النقاش هو غياب التوازن، خاصة عندما يصبح الاستهلاك هدفاً في حد ذاته، ويصبح سعر السلعة جزءاً من قيمتها الاجتماعية.

أنا أعتقد أن المجتمع الذي يستهلك بهذه الصورة يحتاج إلى أن يسأل نفسه: هل نحن ننفق لأننا نحتاج فعلاً، أم لأننا نريد أن نثبت لأنفسنا وللآخرين أننا قادرون على الإنفاق؟

ويؤسفني أن أقول إن بعض هذه المشاهد جعلتني أفكر في الوجه الآخر للصورة؛ فبينما يقف مواطنون في طوابير طويلة من أجل مشروب قد يصل سعره إلى مئات الجنيهات، هناك في الجانب الآخر من المجتمع مواطنون يكافحون من أجل توفير أبسط احتياجاتهم اليومية. هناك من يبحث عن الطعام في أكوام القمامة، وهناك أسر تشتري ملابسها من أسواق شعبية مثل وكالة البلح، وهناك من لا يستطيع حتى اختيار نوع المشروب الذي يشربه، فيضطر إلى شراء الأرخص، وربما يقع أحياناً ضحية لمنتجات مجهولة المصدر أو غير مأمونة.

ويقيني أن المشكلة ليست في وجود الأغنياء أو القادرين على الإنفاق، وإنما في اتساع الفجوة في أنماط الحياة إلى درجة تستحق منا جميعاً التأمل.

أنا أرى أننا في حاجة إلى مزيد من الوعي والإدراك، ليس فقط لدى من لا يستطيعون، وإنما أيضاً لدى القادرين. فالمجتمع المتوازن لا يقاس فقط بما يملكه بعض أفراده من سيارات فارهة ومطاعم باهظة ومشروبات مستوردة، وإنما يقاس كذلك بمدى إحساس القادر بغير القادر، وبمدى إدراك الإنسان أن ما ينفقه في لحظة على شيء غير ضروري قد يساوي بالنسبة لأسرة أخرى احتياجات يوم كامل.

وفي النهاية، أقولها من واقع ما رأيته بعيني لا من موقع الواعظ: الاعتدال في كل شيء هو أبسط ما في الحياة وأصعبه في الوقت نفسه. ليس المطلوب أن نحرم أنفسنا من الطعام الجيد أو الملابس الجميلة أو الترفيه، وإنما المطلوب أن نعرف متى نشتري، وماذا نشتري، وكم ننفق، ولماذا ننفق.

وأتمنى أن نتوقف قليلاً أمام هذه المفارقة المؤلمة: طوابير من أجل مشروبات بمئات الجنيهات في مكان، ومواطنون آخرون يبحثون عن طعامهم في القمامة في مكان آخر. وبين المشهدين مساحة كبيرة اسمها الوعي والرحمة والاعتدال. وهذه، في رأيي، مسؤولية مجتمع بأكمله، وليست مسؤولية الفقير وحده ولا الغني وحده.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى