عندما تمتلئ “سحابة” العالم: هل تُنقذنا الشفرة الوراثية؟

بقلم: د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
في زمنٍ يتنفس فيه العالم البيانات، يُطرح سؤال حتمي ومقلق طرحه مقال أخير بنشرة Interesting Engineering الشهيرة: “ماذا يحدث عندما تنفد المساحة الرقمية من العالم؟”.
إن الأرقام المخيفة للبيانات المولدة يومياً من صور، ومقاطع فيديو، وأبحاث، ومعاملات بنكية، تُنذر بوجوب الوصول إلى الحافة. فالخوادم ومراكز البيانات التقليدية (Data Centers) المصنوعة من السيليكون والمغناطيس تعاني من أزمتين كبيرتين: التكلفة الطاقية الهائلة للتبديد والتبريد، والعمر الافتراضي المحدود لوسائط التخزين التي تتلف بعد سنوات معدودة.
وهنا يأتي دور التكنولوجيا الحيوية المذهلة: تخزين البيانات في جزيء الحمض النووي (DNA data storage).
إن الطبيعة، عبر مليارات السنين، طورت أفضل نظام وأكثفه لتخزين المعلومات على الإطلاق، وهو جزيء الـDNA. الجزيء الذي يحمل أسرار الحياة وتفاصيل الكائنات الحية داخل شريط مجهري مزدوج، أصبح اليوم مرشحاً ليكون “الهارد ديسك” المستقبلي للبشرية.
فكيف يعمل هذا النظام؟ في الحوسبة التقليدية، تُترجم البيانات إلى لغة ثنائية تتكون من أرقام (0 و1). أما في الـDNA، فنعيد ترميز هذه البيانات إلى القواعد النيتروجينية الأربع: الأدينين (A)، والسيتوسين (C)، والجوانين (G)، والثيمين (T). وبدلاً من كتابة Bit على أقراص مغناطيسية، نقوم بتخليق شريط DNA صناعي يحمل تسلسلاً محدداً يمثل تلك البيانات، ثم نقرؤه عند الحاجة باستخدام تقنيات تتابع القواعد (DNA Sequencing).
المزايا التي تفتح آفاق المستقبل:
• الكثافة التخزينية الخيالية: يمكن لجرام واحد فقط من الـDNA أن يخزن مئات البصمات الوراثية والمعلومات التي تعادل مئات آلاف الأقراص الصلبة.
• الاستدامة والاستقرار: على عكس الأقراص الصلبة التي تتلف في عقد من الزمان، يمكن للحمض النووي المحفوظ في ظروف ملائمة أن يصمد لآلاف السنين دون فقدان للبيانات، كما نرى في مستحثات الكائنات القديمة.
• الكفاءة البيئية: تقليل المساحات الشاسعة للمقرات التخزينية والانبعاثات الكربونية الناجمة عن تبريد المولدات.
بالطبع، ما زالت التكلفة العالية لتخليق الحمض النووي وقراءته، بالإضافة إلى البطء النسبي في استرجاع البيانات، تمثل تحديات هندسية يسعى العلماء لتجاوزها. ولكن مع تسارع وتيرة الابتكار، ننتقل بخطى حثيثة من مرحلة “الفكرة النظرية” إلى “التطبيق الفعلي”.
إن تقاطع علم الوراثة الجزيئية مع علوم الحاسوب يثبت مجدداً أن الطبيعة كانت ولا تزال المعلم الأول للإنسان. وحين تعجز التكنولوجيا الحديثة عن استيعاب انفجار البيانات، يعود العلم إلى الخلية الحية ليجد الإجابة محفوظة في أسرار شفرتها الوراثية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



