رأى

بمناسبة اليوم العالمي للغذاء.. «ابتكار اليوم غذاء الغد» شعار الفاو لتعزيز الأمن الغذائي

بقلم: أ.د.نسرين محمد السعيد شام

رئيس بحوث متفرغ بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بمركز البحوث الزراعية وعضو اللجنة الوطنية لعلوم التغذية بأكاديمية البحث العلمي

بعنوان «العالم على أعتاب ثورة علمية جديدة في الغذاء والتغذية: تكامل الابتكار والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، وتأثيره على الميكروبيوم المعوي، في مواجهة تحديات الفاقد والهدر الغذائي والتغيرات المناخية المتطرفة»……

**** يقف العالم اليوم أمام تحولات علمية وتكنولوجية متسارعة قد تعيد تشكيل مستقبل الغذاء والتغذية، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، والتغيرات المناخية المتطرفة، وتدهور الموارد الطبيعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واستمرار الفاقد والهدر عبر سلاسل الإمداد الغذائي.

لم تعد قضية الغذاء تقتصر على إنتاج كميات كافية لإطعام السكان، بل أصبحت ترتبط بكيفية إنتاج غذاء آمن وعالي الجودة والقيمة الغذائية، وفهم تأثيره على صحة الميكروبيوم المعوي للإنسان، بهدف تحسين الاستفادة من الموارد المتاحة، لتقليل خسائر الفاقد والهدر، وتعزيز قدرة النظم الغذائية على التكيف مع التغيرات المناخية المتطرفة.

وفي هذا السياق، يبرز التكامل بين الابتكار الغذائي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية بوصفه أحد المسارات الواعدة لبناء منظومة غذائية وإنتاج منتجات غير تقليدية تكون أكثر ذكاءً وكفاءة واستدامة، تهدف إلى الربط بين صحة الإنسان المتمثلة في سلامة الميكروبيوم، والسلامة البيئية، والاقتصاد الدائري.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية من خلال الفهم العميق والمتقدم لوظيفة الميكروبيوم المعوي وكيفية الحفاظ على حيويته من ناحية، والعلاقات المعقدة بينه وبين المكونات الغذائية من ناحية أخرى، وما تتيحه هذه المعرفة من آفاق بحثية لتطوير الأغذية الوظيفية وتحسين مفهوم التثقيف الغذائي في حضور الابتكار باستخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية لإنتاج غذاء المستقبل.

*** الابتكار الغذائي وصناعة أغذية المستقبل؛

يمثل الابتكار الغذائي ركيزة أساسية لتطوير منتجات تجمع بين القيمة الغذائية والجودة والسلامة الصحية والقبول الحسي، مع مراعاة الاحتياجات الغذائية والاقتصادية والبيئية للمجتمعات.

وتشمل مجالات الابتكار تطوير الأغذية الوظيفية، والاستفادة من المصادر النباتية المحلية، وتحسين تقنيات التصنيع والحفظ والتعبئة، وتطوير منتجات ذات قيمة غذائية مضافة، فضلًا عن تحويل بعض المنتجات الثانوية للصناعات الغذائية إلى مكونات لها قيمة مضافة.

ومن المجالات الواعدة استخلاص الألياف الغذائية والمركبات النباتية من بعض قشور الفاكهة والبذور والأجزاء النباتية المناسبة، بعد التأكد من سلامتها وجودتها وصلاحيتها للاستخدام الغذائي.

وتتجاوز أهمية هذه الابتكارات إنتاج منتجات جديدة، إذ يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الموارد الأولية، وزيادة القيمة المضافة والميزة التنافسية التسويقية الاقتصادية للمحاصيل الحقلية والبستانية، مع خلق فرص للصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الاستفادة من الموارد الزراعية المحلية.

فالابتكار الناجح لا يُقاس بجدية الفكرة بمفردها، وإنما بقدرته على تحقيق جدوى اقتصادية ومجتمعية تحقق مبادئ التنمية المستدامة والاستدامة، وتوفير احتياجات المستهلك، وتقليل الأثر البيئي السلبي عبر دورة حياة المنتج.

*** الذكاء الاصطناعي وثورة البيانات الغذائية؛

يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة لتحسين إدارة الموارد الغذائية من الحقل إلى المائدة، وذلك من خلال تحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر ودعم اتخاذ القرارات أثناء مراحل الإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع، إذ يمكن للنماذج الذكية تحليل بيانات الطقس والمحاصيل ودرجات الحرارة والرطوبة وظروف التخزين، بهدف المساعدة في التنبؤ بمخاطر التلف، وتحديد الاحتياجات المتوقعة للأسواق، وتحسين إدارة المخزون، وتقليل الإنتاج الزائد والخسائر، كما يمكن توظيف الرؤية الحاسوبية وأجهزة الاستشعار في مراقبة بعض مؤشرات الجودة والكشف عن عيوب ظاهرية، على أن تُدعَم هذه الأدوات بوسائل القياس والاختبارات المعملية المناسبة.

بينما في مجال التغذية، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم تحليل الأنماط الغذائية وتطوير برامج للتثقيف الغذائي، وتقديم الإرشادات الأكثر ملاءمة لاحتياجات الأفراد، وذلك وفقًا للبيانات المتاحة والأدلة العلمية، كما تزداد أهمية هذه التطبيقات عند دمج البيانات المناخية والزراعية والغذائية والصحية ضمن منظومات تحليلية متكاملة، تساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا وتحسين كفاءة الاستجابة لها، ومع ذلك يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساندة للبحث العلمي والخبرة البشرية، وليس بديلًا عنهما عند التحقق التجريبي أو التقييم العلمي أو حماية خصوصية البيانات.

*** التكنولوجيا الحيوية والميكروبيوم المعوي؛

تُعد التكنولوجيا الحيوية من المجالات المهمة في تطوير علوم الغذاء، لما توفره من إمكانات لتحسين عمليات التخمير، واستخدام الإنزيمات والكائنات الدقيقة النافعة، وتطوير مكونات غذائية جديدة، ودراسة التحولات الحيوية التي تحدث أثناء التصنيع والهضم.

في المقابل، أصبح الميكروبيوم المعوي محورًا متقدمًا في أبحاث التغذية والصحة، إذ يشير إلى مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء، والتي تتفاعل مع الغذاء، وهي إحدى أهم وظائف الجهاز الهضمي وبيئة الجسم. حيث تؤثر الأنماط الغذائية في تركيب الميكروبيوم ووظائفه، فعندما تصل بعض الألياف الغذائية إلى القولون، تقوم أنواع من الميكروبات باستخدامها في عمليات التخمير، التي ينتج عنها بعض المركبات الحيوية التي تؤدي أدوارها المهمة في الحفاظ على صحة الجهاز الهضمي، كما أن دراسة العلاقة بين الميكروبيوم والمركبات الحيوية والأغذية المخمرة ضرورية لفهم تأثيراتها المحتملة على صحة الجهاز الهضمي وبعض وظائف التمثيل الغذائي والمناعة، كما يتيح التكامل بين التكنولوجيا الحيوية وتحليل البيانات فرصًا لدراسة هذه العلاقات بصورة أعمق لتحديد المكونات الغذائية التي تستحق المزيد من البحث والتقييم، مع الأخذ في الاعتبار أن الاستجابات تختلف بين الأفراد، كما أن حدوث تغيير في حالة الميكروبيوم لا يثبت وجود فائدة صحية من عدمها، ولذلك ينبغي دعم كل الدراسات الصحية التي تشتمل على التقييم المخبري والسريري عند الضرورة.

*** التكامل بين الابتكار والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية؛

تتضاعف إمكانات التطوير عندما تتكامل التخصصات العلمية في إطار البحث العلمي.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل البيانات واكتشاف الأنماط، بينما تساعد التكنولوجيا الحيوية في دراسة الكائنات الدقيقة والإنزيمات والتحولات الحيوية، وتوفر علوم الأغذية والتغذية أدوات تقييم تركيب المنتجات وسلامتها وقيمتها الغذائية وتأثيراتها المحتملة على الإنسان، لذا فإن هذا التكامل يمكنه دعم تطوير المكونات الغذائية بصورة مبتكرة، ودراسة العلاقة بين المركبات النباتية والميكروبيوم المعوي، مما يساعدنا على تحسين ظروف التصنيع والحفظ، والتنبؤ بجودة المنتجات ومخاطر تلفها، كما يمكننا باستخدام تحليل البيانات، التي ستساعدنا في تحديد أولويات البحث، على أن تظل النتائج المتوقعة فرضية تحتاج إلى المزيد من الدراسات والتجارب، وليس بديلًا عنها، وهذا يؤكد مدى أهمية بناء فرق بحثية متعددة التخصصات تجمع علوم الأغذية والكيمياء الحيوية والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والتغذية والعلوم البيئية.

*** التغيرات المناخية المتطرفة وتهديد الأمن الغذائي؛

تمثل التغيرات المناخية المتطرفة أحد أهم التحديات الكبرى أمام استقرار النظم الغذائية، خاصة عندما تتسبب موجات الحر والجفاف والفيضانات والأمطار الشديدة في إلحاق الضرر بالمحاصيل الحقلية والبستانية والثروات القومية، وكذلك تعطيل النقل، وبالتالي التأثير على التخزين والتصنيع.

وقد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة سرعة تلف بعض المحاصيل سريعة الفساد، كما يمكن أن تؤثر اضطرابات الأمطار والجفاف على إنتاجية المحاصيل وتوافر المياه، وبالتالي على جودة المواد الخام.

كما تساعد هذه الظروف المناخية المتطرفة على خلق البيئة الملائمة لبعض الآفات والفطريات التي تجعلها من التحديات الإضافية المتعلقة بسلامة الغذاء، ومنها تلوث بعض المحاصيل بالسموم الفطرية. وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية الزراعة الذكية مناخيًا، وتحسين إدارة المياه، وتطوير نظم الإنذار المبكر، واختيار الأصناف الملائمة للظروف المتطرفة، وتحسين البنية التحتية للتخزين والتبريد وطرق الحفظ، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات المناخية والزراعية لتحديد مناطق الخطر والتنبؤ ببعض الخسائر المحتملة، بينما يمكن للتقنيات الحيوية أن تسهم بأبحاث تؤدي إلى تحسين تحمل النباتات للإجهادات البيئية، ضمن ضوابط السلامة والتقييم العلمي.

كما تساعد تقنيات الحفظ والتصنيع المناسبة في الحد من الخسائر بعد الحصاد، إلا أنها لا تغني عن معالجة الأسباب الأساسية للمخاطر المناخية أو تطوير نظم زراعية أكثر قدرة على التكيف.

*** الخاتمة: ثورة علمية من أجل غذاء أفضل.

إن الثورة العلمية الجديدة في الغذاء والتغذية لا تقوم على تقنية واحدة، بل على تكامل الابتكار الغذائي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية وعلوم الميكروبيوم، ضمن رؤية تستهدف تحسين صحة الإنسان، وتقليل الفاقد والهدر، وتعزيز قدرة النظم الغذائية على مواجهة التغيرات المناخية المتطرفة، ولكي تتحقق هذه الأهداف، يتطلب الأمر أدلة علمية راسخة، وتعاونًا بين الباحثين وصناع القرار والمنتجين والمستهلكين، وسياسات تشجع الابتكار من أجل بيئة وصحة أفضل.

إن مستقبل الغذاء لن يُصنع بزيادة الإنتاج وحده، إنما بالعلم والابتكار اللذين هما أساس تطوير جودة الغذاء، وبالتكنولوجيا التي تقلل خسائره، ومن خلال تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة التي تجعل الأمن الغذائي والاستدامة يحققان الاقتصاد الدائري الأخضر المستدام.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى