الاستاكوزا في الماء المغلي… هل آن الأوان لإنهاء هذه الممارسة؟

إعداد: د.منة الله علي عمر
طبيبة بيطرية وباحثة ماجستير في سلامة الغذاء
لطالما ارتبطت الاستاكوزا بالمطاعم الفاخرة وموائد الاحتفالات، حتى أصبحت رمزًا للترف في كثير من أنحاء العالم. لكن خلف هذا الطبق الذي يراه البعض شهيًا، يختبئ سؤال أخلاقي يزداد إلحاحًا مع تقدم العلم: هل يجوز أن تُطهى الاستاكوزا وهي لا تزال حية؟
لسنوات طويلة، اعتقد كثير من العلماء أن القشريات، ومنها الاستاكوزا وسرطان البحر، لا تشعر بالألم بالطريقة التي تشعر بها الثدييات أو الطيور، وأن الحركات التي تصدر عنها عند إلقائها في الماء المغلي ليست سوى استجابات عصبية انعكاسية. إلا أن هذا التصور بدأ يتغير مع تراكم الأدلة العلمية خلال العقدين الماضيين.
ففي عام 2021، نشر فريق من الباحثين في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE) مراجعة علمية واسعة، بتكليف من الحكومة البريطانية، حللت أكثر من 300 دراسة تناولت الإحساس لدى الرخويات والقشريات. وخلصت المراجعة إلى وجود أدلة قوية تدعم اعتبار القشريات عشريات الأرجل، ومنها الاستاكوزا، كائنات قادرة على الإحساس بالألم والمعاناة، وهو ما دفع المملكة المتحدة إلى توسيع الحماية القانونية لهذه الحيوانات ضمن تشريعات رفاهية الحيوان.
هذا التحول العلمي لم يبقَ حبيس المختبرات، بل انعكس على التشريعات في عدد من الدول. فقد حظرت، أو قيدت، دول مثل سويسرا ونيوزيلندا غلي القشريات وهي حية، وفرضت استخدام وسائل تقلل من معاناتها قبل الذبح، كما أوصت جهات علمية بتجنب السلق المباشر دون تخدير أو صعق مناسب.
ورغم أن تناول الاستاكوزا لا يزال قانونيًا في معظم أنحاء العالم، فإن الجدل اليوم لم يعد يدور حول حق الإنسان في أكلها، بل حول الطريقة التي تُقتل بها. فهناك فرق كبير بين الحصول على الغذاء، وبين تعريض كائن حي لمعاناة يمكن تجنبها.
ويؤكد المختصون في رفاهية الحيوان أن المبدأ الأخلاقي المعروف باسم “مبدأ الحيطة” يدعو إلى تقليل الألم عندما توجد أدلة معقولة على احتمال شعور الحيوان به، حتى لو لم تكن جميع تفاصيل هذا الإحساس مفهومة بالكامل. فالحضارة لا تُقاس فقط بما نطوره من تقنيات، بل أيضًا بقدرتنا على تقليل المعاناة غير الضرورية.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من الباحثين أن إلقاء الاستاكوزا في الماء المغلي وهي حية لم يعد مجرد تقليد في الطهي، بل ممارسة تستحق إعادة النظر في ضوء المعرفة العلمية الحديثة. وإذا كانت هناك وسائل أكثر رحمة تحقق الغرض نفسه، فإن التمسك بالطريقة الأكثر إيلامًا يصبح أمرًا يصعب تبريره أخلاقيًا.
إن احترام الحياة لا يعني الامتناع عن الغذاء، لكنه يعني أن نتعامل مع الكائنات التي نتغذى عليها بأقل قدر ممكن من الألم. فكلما تقدم العلم، اتسعت دائرة مسؤوليتنا الأخلاقية، وأصبح لزامًا علينا أن نراجع عاداتٍ كانت تُعد يومًا أمرًا طبيعيًا.
ربما لن يتوقف العالم عن أكل الاستاكوزا قريبًا، لكنه يمكن أن يتوقف عن طهيها وهي حية. وبين العادة والرحمة، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل منا على نفسه: إذا كان بإمكاننا تقليل المعاناة، فلماذا لا نفعل؟
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



