تقارير

محاصيل العلف ودورها في حماية الثروة الحيوانية من الأمراض

إعداد: أ.د.خالد فتحي سالم

أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية، من أمراض وبائية متكررة وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد، تبرز محاصيل العلف كعنصر استراتيجي لا غنى عنه في دعم الأمن الغذائي وحماية صحة الحيوان. فلم تعد الأعلاف مجرد مصدر للتغذية، بل أصبحت أحد أهم الأدوات الحيوية لتعزيز مناعة الحيوانات والحد من انتشار الأمراض الشائعة، وعلى رأسها الحمى القلاعية وغيرها من الأمراض العابرة للحدود.

العلف الجيد أساس الصحة الحيوانية

تؤكد الدراسات البيطرية أن التغذية المتوازنة تمثل ما يقرب من 70% من منظومة الوقاية الصحية للحيوان. فالحيوان الذي يحصل على علف متكامل غني بالبروتينات والطاقة والعناصر المعدنية والفيتامينات، يكون أكثر قدرة على مقاومة الأمراض، وأكثر استجابة للتحصينات، وأسرع تعافيًا في حال الإصابة.
وتلعب محاصيل العلف مثل البرسيم، والذرة العلفية، والسورجم، والشعير، والدخن دورًا محوريًا في توفير هذه الاحتياجات الغذائية، خاصة عند زراعتها وإدارتها وفق أسس علمية سليمة تضمن أعلى قيمة غذائية ممكنة.

الحمى القلاعية… مرض اقتصادي بامتياز

تُعد الحمى القلاعية من أخطر الأمراض الفيروسية التي تصيب الأبقار والجاموس والأغنام والماعز، لما لها من تأثيرات اقتصادية جسيمة، حيث تؤدي إلى انخفاض إنتاج اللبن واللحوم، وتراجع الخصوبة، وقد تصل إلى النفوق في الحالات الحادة، خاصة بين الحيوانات الصغيرة.
ورغم أهمية التحصينات الدورية في مكافحة المرض، إلا أن التغذية الجيدة تمثل خط الدفاع الأول، إذ إن الحيوان ضعيف التغذية يكون أكثر عرضة للإصابة، وأقل قدرة على تكوين مناعة فعالة حتى بعد التحصين.

كيف تدعم محاصيل العلف مناعة الحيوان؟

تسهم محاصيل العلف في دعم الجهاز المناعي للحيوان من خلال عدة آليات، أبرزها:
توفير البروتينات عالية الجودة اللازمة لتكوين الأجسام المناعية.
إمداد الجسم بالطاقة التي تمكّنه من مقاومة الإجهاد المرضي.
احتواؤها على العناصر المعدنية مثل الزنك والسيلينيوم والنحاس، وهي عناصر أساسية لوظائف المناعة.
غناها بالفيتامينات الطبيعية مثل فيتامينَي A وE، المعروفَين بدورهما في تعزيز مقاومة العدوى.
ونقص أي من هذه العناصر ينعكس مباشرة على كفاءة الجهاز المناعي، ويجعل الحيوان أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الوبائية.

الأعلاف الخضراء ودورها الوقائي

تحتل الأعلاف الخضراء مكانة خاصة في منظومة التغذية الصحية، حيث تمتاز بسهولة الهضم وارتفاع القيمة الحيوية. ويُعد البرسيم نموذجًا مثاليًا، لما يحتويه من نسبة عالية من البروتين والكاروتينات والمعادن، إضافة إلى تأثيره الإيجابي على صحة الجهاز الهضمي.
كما أن الذرة العلفية والسورجم تُعدّان من المحاصيل الصيفية المهمة التي تسهم في سد فجوة الأعلاف خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، وهي الفترات التي تزداد فيها معدلات الإصابة بالأمراض نتيجة الإجهاد الحراري.

العلف المتوازن وتحسين الاستجابة للتحصين

من الحقائق العلمية الثابتة أن نجاح برامج التحصين لا يعتمد فقط على جودة اللقاح، بل يتأثر بدرجة كبيرة بالحالة الغذائية للحيوان. فالحيوان الذي يعاني من سوء تغذية أو نقص في العناصر الأساسية لا يُكوّن مستوى كافيًا من الأجسام المضادة، ما يقلل من فعالية التحصين.
ومن هنا تأتي أهمية محاصيل العلف في تهيئة الحيوان للتحصين، وضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة من برامج الوقاية البيطرية التي تنفذها الدولة.

دور محاصيل العلف في تقليل استخدام الأدوية

يسهم الاعتماد على محاصيل علف جيدة في تقليل معدلات الإصابة بالأمراض، وبالتالي الحد من استخدام المضادات الحيوية والعلاجات المكلفة. ويؤدي ذلك إلى خفض تكاليف الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات الحيوانية، والحد من ظاهرة مقاومة الميكروبات للأدوية، التي أصبحت تمثل خطرًا عالميًا.

التوسع في زراعة محاصيل العلف… ضرورة وطنية

في ظل الزيادة السكانية وارتفاع الطلب على اللحوم والألبان، بات التوسع في زراعة محاصيل العلف ضرورة لا رفاهية. ويتطلب ذلك:
استنباط أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للظروف البيئية.
ترشيد استخدام المياه من خلال نظم الري الحديثة.
تشجيع المزارعين على إدخال محاصيل علف غير تقليدية.
تعزيز التكامل بين الإنتاج النباتي والحيواني.
إن الاستثمار في محاصيل العلف يعود بفوائد مضاعفة على الاقتصاد القومي، من خلال دعم صغار المربين، وتحقيق الاستقرار في أسعار المنتجات الحيوانية.

التوعية والإرشاد الزراعي

لا تكتمل منظومة الاستفادة من محاصيل العلف دون تفعيل دور الإرشاد الزراعي والبيطري، لنقل التوصيات الفنية الصحيحة إلى المزارعين والمربين، سواء فيما يتعلق بمواعيد الزراعة، أو طرق الحصاد والتخزين، أو أساليب التغذية السليمة.
كما أن رفع وعي المربين بأهمية التغذية المتوازنة ودورها في الوقاية من الأمراض يُعد خطوة أساسية في الحد من الخسائر الناجمة عن الأوبئة الحيوانية.

الموجز المختصر

إن محاصيل العلف ليست مجرد مكون غذائي، بل تمثل ركيزة أساسية للأمن الصحي الحيواني، وخط دفاع أول في مواجهة الأمراض الشائعة وعلى رأسها الحمى القلاعية. ومن خلال التخطيط الجيد والتوسع المدروس في زراعتها، يمكن تحقيق نقلة نوعية في قطاع الثروة الحيوانية، بما يضمن صحة الحيوان، واستدامة الإنتاج، وحماية دخل المربين، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى