رأى

«الجمل».. كنز الصحراء ومستقبل الثروة الحيوانية

بقلم: أ.د.وائل وفا

رئيس بحوث فسيولوجيا الحيوان بقسم بحوث تربية الإبل بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني – مركز البحوث الزراعية

الجمل العربي ذو السنام الواحد هو أحد نوعي الإبل المتواجدة على مستوى العالم ويمثل 94٪ من تعدادها، أما النوع الثاني فهو البكتيري ذو السنامين ويوجد منه المستأنس والبري ويمثل باقي التعداد (6٪). والذكر يطلق عليه جمل والأنثى يطلق عليها ناقة وجمعهما هو الإبل. ويطلق عليه العديد من الأسماء وهو من الثدييات المحدبة ويقع تصنيفه في المملكة الحيوانية في شعبة الحبليات وطائفة الثدييات في رتبة شعبيات الأصابع وفصيلة الجمليات في القبيلة الجملاوية.

إن الجمال هي آية من آيات الله التي تدلنا على عظمة الخالق المبدع ونعمة وهبها رب العالمين لبني آدم، تنفرد بقدرتها على تحمل الجوع والعطش وهي تمارس حياتها في ظل ظروف بيئية صعبة تشتد فيها درجات الحرارة في نهار الصيف وتنخفض في الليل، ومسرح تحركها ملئ بالرمال والصخور في الأراضي ذات التضاريس الصعبة التي تنتقل فيها ما بين سهول وجبال وهضاب.

تبحث عن غذائها بين النباتات الشائكة الجافة أو الخضراء لتجد قوتها بين أنواع النباتات التي لا يمكن لغيرها من الحيوانات التي تعيش في ظل هذه البيئة أن يتغذى عليها، وتقطع المسافات الطويلة بحثًا عن مصدر لمياه الشرب دون أن تكل أو تمل من ممارسة دورها في الحياة. فهي تتكاثر وتنتج أفرادًا جديدة ليزيد بها تعداد القطيع، وتنتج لبنًا لتغذية مولودها وسكان الصحراء من رعاتها وغيرهم، وحين تذبح تعطي اللحم والكساء وتهب الدفء لرعاتها لتمثل نموذجًا متميزًا للتنمية المستدامة.

حيوان يملك كل تلك المزايا هو بالفعل كنز في مجال الثروة الحيوانية ولابد من تنميته.

لقد اهتم سكان الصحراء على مدار العصور بتربية واقتناء الإبل لدورها الهام في حياة أهل البادية من حيث توفير الغذاء والتنقل عبر المساحة الشاسعة، وتحمل أثقل الأسفار، بالإضافة لقوة وحسن قوام أبدانها، الأمر الذي جعل لها مكانة بارزة في التعبير عن الجمال. وأصبح اقتناؤها وتنسيبها أمرًا هامًا لدى سكان الصحراء، فأصبحت دليلًا على يسر الحال وقوة النفوذ، كما استخدمت في الحروب والغزوات وفي فدية الأسرى ودية القتلى وفي مهر البنات والنساء، واستخدمت في الإهداء والإغداق.

إن هذا الحيوان قد وهبه الله قدرات كثيرة، فمنه يأتي الشفاء للعليل ويعطي القوة للضعيف. ومع التغيرات المتسارعة في الظروف البيئية على مستوى العالم، من نقص إنتاجية المصادر النباتية وزيادة التنافس بين الإنسان والحيوان عليها، وخاصة مع الزيادة السكانية الرهيبة، ونتيجة لارتفاع درجات الحرارة المتسارعة وحدوث ظاهرة الاحتباس الحراري والتصحر الذي ضرب معظم الأراضي التي كانت غنية سابقًا بالغطاء النباتي وأضحت أراضٍ جافة زادت بها درجات الملوحة، بالإضافة لانخفاض المحتوى المائي العذب والنقص الشديد في معدل هطول الأمطار، تكون الإبل هي سفينة النجاة للعبور إلى غدٍ يرغد فيه الإنسان بنصيب مناسب من البروتين الحيواني. فلابد من دعم مربي الإبل بالعمل على وضع خطط طويلة المدى وأخرى سريعة قصيرة المدى.

لابد من معالجة الإهمال الذي تعرض له هذا الحيوان نتيجة الثورة الصناعية، فهو حقًا كنز يساعد في تنمية الثروة الحيوانية.

في استعراض للخطط طويلة المدى، نجد أنه من الواجب التوجه نحو إجراء التحسين الوراثي باستكمال البيانات الخاصة بالقطعان المتواجدة حاليًا في حوزة المربين لاختيار أفضل الذكور حتى تستخدم في تلقيح أفضل النوق إنتاجية (لبن – لحم – ثنائية) بهدف الحصول على مواليد تحمل صفات إنتاجية عالية، مع توفير الدعم الفني للمربين بالإضافة لإدخال التكنولوجيا الحديثة في التواصل مع المربين لجمع البيانات بدقة وبسرعة وتذليل الصعاب وحل المشاكل الخاصة بهم في أسرع وقت. ولابد أن نلاحظ أن هذه الخطوة ستحتاج للكثير من التكاليف والجهد والوقت حتى يتحقق الهدف المرجو منها.

على المدى القصير، لابد من العمل على زيادة الوارد منها وخاصة من السودان، مع العمل على دعم المربين لشرائها وتحسين حالتها الجسمانية باستخدام بعض الأعلاف المتخصصة مع إدخال البدائل المتوفرة حسب الموسم من العام، وذلك لتحسين خصائص اللحوم الناتجة. ولي أمل كبير بأن تحتضن مبادرة “إحلم” التي وفرت 1000 رأس من العجلات المحسنة في المرحلة الأولى للشباب والمرأة الريفية وصغار المربين، وذلك بتوفير قروض ميسرة بفائدة 5٪ لشراء رؤوس الماشية الحلابة المتخصصة لتحسين الوضع الغذائي وتوفير فرص عمل وزيادة دخل المستفيدين. وتستهدف المرحلة الثانية من هذه المبادرة توفير عدد 2000 رأس حلابة، ونأمل أيضًا أن تأخذ تربية الإبل بهدف إنتاج اللحم (تسمين) مكانة في مثل هذه المبادرة. كما أن وزارة الزراعة قد أصدرت أكثر من 200 تصريح لمزاولة تربية الماشية لصغار المربين بالإضافة لحوالي 50 موافقة فنية لمشروعات الثروة الحيوانية بالظهير الصحراوي.

إن مركز البحوث الزراعية كأحد روافد وزارة الزراعة المصرية يؤدي دورًا هامًا من خلال معهد بحوث الإنتاج الحيواني، والذي يضم بين جنباته قسمًا متخصصًا في بحوث الإبل وبه كادر بحثي على أعلى المستويات يقوم بتنفيذ مجموعة من البحوث التطبيقية بهدف رفع الكفاءة التناسلية والإنتاجية للإبل، وخاصة القطيع المتواجد في الساحل الشمالي الغربي من جمهورية مصر العربية وتحديدًا في محافظة مطروح. حيث يتبع قسم بحوث تربية الإبل مكان متخصص لرعاية قطيع من الإبل المغربي ويسمى “مركز دراسات وتنمية إنتاج الإبل”.

وقد تم إنشاء القسم بقرار وزاري في عام 1998م، ثم تم بناء مركز دراسات وتنمية إنتاج الإبل بمطروح بقرار وزاري في عام 2002م. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، يعمل هذا المركز المتخصص على تربية قطيع من الإبل المغربي المتميزة حيث أن أفراد هذا القطيع معلومة النسب، ويعد هذا المكان إحدى منارات العلم بمصرنا الحبيبة، حيث ساهم حتى اليوم في إنتاج عدد 8 رسائل ماجستير وعدد 9 رسائل دكتوراة، بالإضافة لتنفيذ عدد كبير من البحوث العلمية التطبيقية في مجالات تربية وتغذية ورعاية وفسيولوجيا الإبل. كما أنه قام بدور فعال في تدريب وتجهيز مجموعة كبيرة من طلاب المدارس الزراعية وكليات الزراعة وشباب الخريجين للانطلاق إلى سوق العمل بفكر حديث متطور يدعو للنهوض بالثروة الحيوانية.

إن هذا الصرح العلمي يعد مقصدًا لوفود العديد من الدول الأفريقية والأوروبية والمنظمات المهتمة بتربية الحيوانات الصحراوية. ولا زال مركز دراسات وتنمية إنتاج الإبل بمطروح نقطة مركزية لخدمة أهالي المحافظة ومربي الإبل على طول الساحل الشمالي وحتى السلوم والواحات، كما أن هذا المركز يعمل على توفير الخبرات والاستشارات بالإضافة لتوفير إمكانية شراء الإبل المنسّبة من الذكور الزائدة عن حاجة القطيع وبعض الإناث التي يمكن تربيتها. إن هذا المكان يعتبر خير مثال لدور البحث العلمي في خدمة المجتمع في ظل رعاية قيادتنا الرشيدة التي تقود مصر بكل حكمة نحو التنمية لتظل أبدًا حرة أبيّة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى