رأى

النباتات كمصانع حيوية: إعادة هندسة الأيض النباتي لإنتاج الفيرومونات الحشرية

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

في ظل التوجه العالمي المتزايد نحو إيجاد بدائل حيوية وآمنة للمبيدات الكيميائية التقليدية، تواصل التكنولوجيا الحيوية الزراعية فتح آفاق غير مسبوقة لإعادة هندسة الخلايا النباتية وتحويلها إلى “مصانع خضراء” (Green Biofactories) قادرة على إنتاج مركبات جزيئية متخصصة لحماية المحاصيل.

وتتجلى أحدث التطورات العلمية في هذا المجال في القدرة على تعديل المسارات الأيضية للنباتات لتخليق الفيرومونات الحشرية (Insect Pheromones) داخل أنسجتها؛ وهي المركبات الكيميائية التخصصية التي تستخدمها الحشرات للتواصل والإرباك الجنسي، مما يوفر استراتيجية متقدمة ولطيفة بيئيًا للمكافحة البيولوجية للآفات دون الحاجة إلى التخليق الكيميائي الصناعي المجهد.

تعتمد هذه التقنية المبتكرة، والتي تتخذ من خنافس القلف (Bark beetles) نموذجًا ودراسة حالة حاسمة، على الدمج الدقيق بين الشفرات والإنزيمات النباتية والحشرية؛ حيث أمكن دمج الإنزيمات المسؤولة عن تخليق الفيرومونات في الحشرات مع المنظومة الإنزيمية للخلية النباتية، مما أدى إلى إعادة توجيه مسار أيض التربينات (Terpene Metabolism) الأصيل في النبات وتحويل مركباته الثانوية نحو إنتاج الفيرومونات الحشرية بدقة متناهية.

تتكشف أبعاد هذا الطرح العلمي والتقني المتقدم عبر ثلاثة محاور جوهرية:

• الهندسة الأيضية المركبة (Metabolic Engineering): إدخال شفرات إنزيمية مزدوجة المصدر داخل الخلية النباتية لإعادة توجيه مسارات التخليق الحيوي للتربينات نحو جزيئات فيرومونية استهدافية.

• الاستدامة والاقتصاد الأخضر: خفض التكاليف العالية والتعقيدات المصاحبة للتخليق الكيميائي الصناعي للفيرومونات، مما يجعل أدوات المكافحة البيولوجية القائمة على الفيرومونات أكثر وفرة، وأرخص تكلفة، وأقل عبئًا على البيئة والتربة.

• المكافحة الذكية الموجهة: توفير وسيلة حيوية وآمنة لإرباك الآفات الحشرية والحد من انتشارها في الحقول دون الإضرار بالمفترسات الطبيعية أو الكائنات النافعة.

تتقاطع هذه التقنية بشكل مباشر مع رؤيتنا وتوجهاتنا البحثية في قسم بحوث دراسة الخلية بمركز البحوث الزراعية؛ حيث تمثل هندسة الأيض الخلوي وتوظيف التكنولوجيا الحيوية حجر الزاوية في بناء استراتيجيات المكافحة المتكاملة للآفات (IPM) وتخفيف العبء البيئي للمبيدات على المحاصيل الاستراتيجية.

وفي هذا الصدد، تتضح معالم الاستفادة والتطبيقات العملية لهذا التوجه الجزيئي في بيئتنا البحثية عبر:

1. فهم آليات الأيض الثانوي: استكشاف المسارات الأيضية للتربينات والمركبات الطيارة في المحاصيل الحقلية ودورها في جذب أو طرد الحشرات.

2. تطبيق أدوات الهندسة الوراثية والدقيقة: الاستفادة من تقنيات التعبير الجيني المتعدد لإدخال الشفرات الإنزيمية الخاصة بتخليق المركبات الحيوية داخل الخلايا النباتية.

3. دعم الزراعة الخضراء والمستدامة: تعزيز حزمة التوصيات الفنية الخاصة بالمكافحة الحيوية القائمة على الفيرومونات المخلّقة حيويًا للحد من متبقيات المبيدات في المنتجات الزراعية.

إن تحويل النباتات إلى مصانع حيوية لإنتاج الفيرومونات يمثل نقلة نوعية في علوم حماية المحاصيل، ويفتح الباب لعصر جديد من الزراعة المستدامة التي تعتمد على تسخير بيولوجيا الخلية لحماية الأمن الغذائي القومي والعالمي.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى