تفكيك الشفرة القاتلة: هل صنعنا وحشاً بيولوجياً بأيدينا؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
في معملي المتواضع بمركز البحوث الزراعية، اعتدت أن أرى البروتينات كجنود مخلصين. تأتمر بأمر الخلية، وتؤدي عملها، ثم تموت في صمت. كنت أنام مرتاح البال، وأنا أؤمن أن فوضى الحياة تخضع لقوانين صارمة، وأن الطبيعة لن تبوح بأسرارها إلا لمن يستحقها بالصبر والتواضع.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليقلب الطاولة.
ليلة رأيت فيها كابوس ألفا فولد
لا أبالغ إن قلت إنني شعرت بقشعريرة وأنا أقرأ، قبل عامين، عن نموذج “ألفا فولد” من DeepMind. فكرة أن آلة تستطيع تخمين شكل بروتين من مجرد تسلسله الأميني كانت، قبل عقد من الزمن، خيالًا علميًا. اليوم، أصبحت زرًا في واجهة مستخدم.
بساطة الأمر هي ما يخيفني.
تخيل معي: كان على العالم أن يعمل سنوات ليكتشف بنية بروتين واحد. اليوم، طالب في السنة الثانية بكلية علوم، مع اتصال ضعيف بالإنترنت، يمكنه توليد آلاف التراكيب البروتينية قبل أن ينهي فنجان قهوته الصباحية.
هذه القوة، كأي قوة، لا تسأل: “لماذا تريدني؟”
السم الذي كنا نعتقد أنه آمن
القصة التي قلبت نومي حقًا كانت عن حلزونات المخروط السامة، كائنات بحرية جميلة تبدو غير ضارة. سمومها، المسماة “كونوتوكسين”، هي أداة قاتلة طورتها الطبيعة على مدى ملايين السنين. لكنها أيضًا كنز دوائي محتمل: يعمل العلماء منذ عقود على تحويل هذه السموم إلى مسكنات للألم لا تسبب الإدمان.
والآن، ماذا لو استطاع شخص ما أن يأخذ التركيب البروتيني لأحد هذه السموم المنشورة على الإنترنت، ويدخله إلى نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر، ويطلب منه: “عدّل هذا البروتين ليكون أكثر فتكًا بمئة مرة”؟
لا يحتاج إلى مختبر متطور. لا يحتاج إلى سنوات من البحث. قد يحتاج فقط إلى جرأة أخلاقية معدومة، وبطاقة ائتمان لطلب الحمض النووي المُخلَّق من شركة لا تطرح أسئلة كثيرة.
هذا ليس سيناريو فيلم رعب. هذا ما ناقشته مجلة Nature في افتتاحياتها العام الماضي. وهذا ما يفعله باحثون أكاديميون في غرف مغلقة، تحت اسم “الأمن البيولوجي مزدوج الاستخدام”.
الفصام الذي يعيشه العلماء
لدي صديق يعمل في معهد أبحاث اللقاحات بأوروبا. اتصلت به بعد قراءة أحد التقارير المقلقة. سألته: “هل أنتم خائفون؟”
ضحك. ثم قال: “خائفون من ماذا؟ من الأشرار؟ نحن خائفون من أنفسنا.”
هذه هي المعضلة التي لا يتحدث عنها أحد في المؤتمرات الصحفية. المجتمع العلمي منقسم على نفسه: فريق يريد إغلاق النماذج مفتوحة المصدر، وفرض رقابة صارمة على تسلسلات البروتينات الخطيرة، وفريق آخر، بينهم حائزون على جائزة نوبل، يقولون إن الشفافية هي الدرع الحقيقي: المعرفة المفتوحة تسمح لـ”الخيّرين” بتطوير الدفاعات بنفس سرعة تطوير “الشرّيرين” للأسلحة.
أيهما على حق؟ لا أعرف. وربما لن نعرف إلا بعد وقوع الكارثة.
خواطر باحث في حقول القمح
الآن، وقد عدت إلى معملي بين عشاقي من النباتات، أتأمل ورقة قمح تقاوم مرضًا فطريًا. النباتات تفعل ذلك منذ مئات الملايين من السنين بدون ذكاء اصطناعي، وبدون نماذج تنبؤية، وبدون أخلاق. هي فقط تموت وتتطور وتستمر.
نحن البشر، بغرورنا الجميل، نظن أننا نستطيع تفكيك شفرات الحياة دون أن تنقلب علينا. نظن أننا نتحكم بالأداة، والأداة لا تتحكم بنا. لكنني بدأت أشك.
ذلك الطالب الذي ذكرته قبل قليل؟ قد يكون عبقريًا سيصنع دواءً يشفي ملايين. وقد يكون فضوليًا أحمق يفتح بابًا لا يعرف كيف يغلقه. وقد لا يكون هو من يهم حقًا. المهم هو أن الباب أصبح مفتوحًا، والمفتاح في جيب كل من يجرؤ.
لست ضد الذكاء الاصطناعي. لست ضد الهندسة الحيوية. أنا فقط، كفلاح عاشق للتربة، أتساءل: هل سألنا أنفسنا يومًا السؤال الصحيح؟
ليس “هل نستطيع؟”
بل “هل يجب أن نستمر في فعل كل ما نستطيع؟”
غدًا، سأعود لفحص خلايا القمح تحت المجهر. هناك، في صمت النباتات، لا توجد أسئلة كهذه. فقط البقاء، أو الرحيل. أما نحن، فعلقنا في المنتصف. وربما هذا هو مصيرنا: نصنع الأدوات، ثم نقضي بقية حياتنا نخاف منها.
ملاحظة: هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب بصفته باحثًا في علم الأحياء الخلوي، وليس بيانًا رسميًا لأي جهة بحثية. الحقائق العلمية حول إساءة استخدام نماذج التنبؤ بالبروتينات موثقة في تقارير الأمن البيولوجي لعامي 2023 و2024، لكن التفسيرات والمخاوف شخصية تمامًا.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



