الإفلاس المناخي وهل تنقذ صخور “الأوليفين” سماءنا من الاختناق المائي؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
حين نتابع في حقولنا ومختبراتنا الزراعية دورة الكربون، نتأمل بذهول كيف تصنع خلايا النبات الأخضر معجزتها الصامتة؛ إذ تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري لتحوله إلى غذاء وأكسجين يحيي البشر. هذا التوازن الفطري الذي أخلّت به يد الصناعة الحديثة، يدفع العلماء اليوم للبحث عن “رئات بديلة” لكوكب الأرض خارج حدود اليابسة. وفي الوقت الذي يرى فيه المواطن العربي أن البحر مجرد مساحة زرقاء للصيد أو السفر، يدرك المجتمع العلمي أن المحيطات هي المستودع الأعظم الذي قد ينقذنا من الإفلاس المناخي. ومن هذا المنطلق، تتجه الأنظار اليوم صوب أعماق البحار السحيقة، ليس للتنقيب عن النفط هذه المرة، بل لتطبيق حيلة جيولوجية مدهشة تعيد برمجة قاع المحيط ليصبح بالوعة عملاقة تلتهم سموم الغلاف الجوي السابحة في الزمكان.
عندما تتحول الصخور الصماء إلى إسفنجة كربونية
المثير للشغف أن الميكانيكية الجديدة لا تعتمد على مركب كيميائي مصنع في مختبرات الحيتان الرأسمالية، بل على مصافحة ذكية بين الطبيعة والطبيعة؛ وتحديداً عبر استخدام صخور “الأوليفين” الخضراء المطحونة ونثرها في مياه المحيط. هذه العملية، التي بدأت كأول تجربة حقلية حقيقية على مستوى العالم، تهدف إلى تسريع التجوية الطبيعية للصخور، حيث تتفاعل مياه البحر المحملة بالصخور المطحونة مع الكربون الجوي وتحبسه في صورة بيكربونات ذائبة لآلاف السنين. لقد كان الهاجس الأكبر الذي يؤرق مضاجع المدافعين عن البيئة هو أن يتحول هذا التدخل إلى “مكياج بيئي” زائف، يحل أزمة السماء على حساب تدمير الحياة البحرية الحساسة، أو يمارس قرصنة خفية ضد الكائنات التي تسكن قعر البحر وتتغذى على فتاته.
براءة الطبيعة في أول اختبار ميداني
وهنا تكمن الحيلة والمفاجأة المبهجة التي أعلنها العلماء مع نهاية العام الأول من المراقبة اللصيقة للتربة البحرية؛ إذ تبين أن نثر مسحوق الأوليفين الأخضر مر بسلام مطلق دون أن يترك أي آثار جانبية أو ندوب سامة على النظام البيئي للقاع. لم تتأثر ديدان القاع ولا القشريات الدقيقة ولا البكتيريا التي تدير عجلة الحياة في العتمة السحيقة، مما يمنح البشرية “صك غفران” علمي مبدئي للمضي قدماً في هذه التقنية. إن نجاح هذه التجربة يثبت أن محاكاة العمليات الجيولوجية للأرض هي الطريق الأرشد، بدلاً من حرق المليارات في تقنيات سحب الكربون الاصطناعية الجافة التي تستهلك طاقة ضخمة وتزيد الطين بلة، وهي المفارقة التي تجعلنا نعيد النظر في كيفية إدارة موارد الكوكب بحكمة تشبه حكمة خلايا الجسد الواحد.
تلاحم الطين والماء في فيض الوجود
في المحصلة، يفتح هذا السبق المعرفي باباً للأمل في صياغة مستقبل كربوني محايد، ويثبت أن إنقاذ الكوكب يتطلب منا التفكير بعقلية “المجال المتصل”؛ حيث تلتقي صخور الجبال بماء المحيطات لتطهير الهواء الذي تتنفسه النباتات والإنسان على حد سواء. وكباحث يقضي عمره متأملاً تفاصيل الخلايا وجذور المحاصيل التي تنبت من الطين، أرى في نتائج هذه التجربة تجسيداً لوحدة التصميم الإلهي؛ فالأرض تملك دوماً آليات دفاعية ومناعة فطرية كامنة لعلاج جراحها، شريطة أن يتعامل الإنسان معها كعالم مستكشف لا كقرصان مستنزف. إن الكون ليس شظايا معزولة، بل هو حقل متكامل ونسيج حي، نبتنا من طينته، ونسبح في فيض أسراره الخصبة.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



