رئيس التحرير

قالوا: لا نملك شيئاً… ثم طالبوا بكل شيء!

بقلم: د.أسامة بدير

لا أُخفي دهشتي، بل أقولها بصراحة: أحيانًا أقف عاجزاً أمام بعض التصرفات التي تجعلني أتساءل: هل نحن أمام زواج أم أمام عقد استثمار يضمن الربح لطرف واحد فقط؟ وأعتقد أن بعض الناس لم يعودوا ينظرون إلى الزواج باعتباره شراكة إنسانية، وإنما فرصة ذهبية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من الالتزامات.

القصة التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال ليست من نسج الخيال، بل واقعة حقيقية تحمل من التناقض ما يكفي لأن تتحول إلى مادة للكوميديا السوداء. شاب ميسور الحال أعجب بفتاة من أسرة بسيطة، ولم ينظر إلى مستواها المادي، بل نظر إلى أخلاقها وشخصيتها. تقدم لخطبتها، ثم جاءت جلسة الاتفاق، فكان حديث والدها ووالدتها واضحاً وصريحاً: “إحنا ناس على قد حالنا… مش هنقدر نجيب أي حاجة.” لا غرفة نوم، ولا أجهزة كهربائية، ولا أدوات منزل، ولا حتى ملابس العروس. باختصار… العريس سيدفع كل شيء.

وأرى أن موقف الشاب كان نبيلاً إلى أبعد الحدود. لم يساوم، ولم يحرج الأسرة، ولم ينسحب، بل قال: “لا بأس… سأتحمل كل شيء.” وهنا كنت أظن أن القصة انتهت نهاية سعيدة، وأن الشهامة ما زالت تجد من يقدرها.

لكن يبدو أنني كنت ساذجاً.

فبعد قراءة الفاتحة، وبعد الاتفاق، وبعد أن أصبح كل شيء محسوماً، خرج الطلب الذي لا يمكن أن يخطر على بال أحد: “لا بد من كتابة قائمة منقولات.”

توقفت كثيراً أمام هذه الجملة. قائمة ماذا؟ ومنقولات مَن؟ وإذا كانت الأسرة نفسها أعلنت أنها لن تشتري ملعقة واحدة، فكيف تطالب بقائمة تضم أشياء لم تدفع فيها جنيهاً واحداً؟ هل أصبح المطلوب أن يشتري العريس الأثاث والأجهزة، ثم يكتب إقراراً بأنها جميعًا ليست له؟!

ومن وجهة نظري، هنا لا نتحدث عن حماية حقوق، وإنما عن محاولة للحصول على امتيازات لا يقابلها أي التزام. فالحقوق تُبنى على المشاركة، لا على الاستحواذ. أما أن يتحمل طرف كل شيء، ثم يُطلب منه التوقيع على مستند قد يتحول في أي لحظة إلى أداة ابتزاز قانونية، فهذا أمر يرفضه العقل قبل القانون.

والشاهد بالنسبة لي أن البعض أصبح يرفع شعار “نحن فقراء” عندما يحين وقت الإنفاق، ثم ينسى هذا الشعار تماماً عندما يحين وقت المطالبة بالضمانات. الفقر ليس رخصة للحصول على ما لا تستحق، وليس تصريحاً مفتوحاً لتحميل الآخرين كل الأعباء ثم مطالبتهم بالتنازل عن حقوقهم أيضاً.

وأعتقد أن أكثر ما يزعجني في مثل هذه المواقف هو ذلك الإصرار على تصوير من يرفض هذا العبث وكأنه إنسان بخيل أو لا يريد الخير للعروس. والحقيقة عكس ذلك تماماً. فالذي يرفض الظلم لا يرفض الزواج، والذي يتمسك بحقه لا يعني أنه ينتقص من حق غيره.

لقد أحسن هذا الشاب عندما رفض كتابة القائمة، لأنه أدرك أن الزواج الذي يبدأ بمعادلة مختلة لن يعرف الاستقرار. فمن يقبل اليوم أن يدفع ثمن كل شيء ويوقع على أنه ليس ملكاً له، قد يجد نفسه غداً يدفع ثمناً أكبر بكثير.

وفي رأيي، فإن أخطر ما في هذه الثقافة أنها تقتل قيمة الشراكة، وتحول الزواج إلى علاقة بين “دافع” و”مستفيد”، لا بين زوج وزوجة. وعندما تصبح المصلحة هي البوصلة، فلا تنتظروا أن تنجح السفينة مهما كانت جميلة من الخارج.

وأختم برسالة واضحة: إن استغلال ظروف الآخرين، سواء كان الغني أو الفقير هو من يمارسه، سلوك مرفوض أخلاقياً قبل أن يكون مرفوضاً اجتماعياً. أما تحويل الفقر إلى وسيلة لانتزاع مكاسب لا تستند إلى حق، فهو أمر لا يمكن تبريره تحت أي شعار أو أي مسمى.

وأقولها بكل وضوح: الفقر لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل قد يزيده شرفاً وعزة. أما الاستغلال فهو الذي ينتقص من صاحبه مهما كانت ظروفه. ومن أراد زواجاً ناجحاً، فليبنه على العدل والاحترام والتوازن، لا على شروط تمنح طرفاً كل الحقوق وتحمل الطرف الآخر كل الالتزامات.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى