رسالة من قلب أنهكه الإحباط

بقلم: د.أسامة بدير
لم أكن أتصور يوماً أن أكتب عن الإحباط بهذه المرارة. فمن يعرفني يدرك أنني من المؤمنين بأن الاجتهاد طريق النجاح، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن الصبر يصنع المعجزات. لكن الإنسان قد يمر بلحظات يشعر فيها بأن المعادلات التي آمن بها طويلاً لم تعد كما كانت، وأن ميزان العدالة اختل، أو على الأقل لم يعد واضحاً كما عهدناه. في مثل هذه اللحظات لا يكون الألم في خسارة موقف أو نتيجة، وإنما في الإحساس بأن الجهد قد لا يجد دائماً ما يستحقه من إنصاف، وأن الأمل الذي زرعناه في نفوس من نحب تعرض لصدمة قاسية لا نستطيع تفسيرها بسهولة.
أصعب ما في الإحباط أنه لا يهاجم العقل أولاً، بل يتسلل إلى القلب. يجعلك تعيد النظر في كل شيء، ويزرع داخلك أسئلة مؤلمة: هل ما زالت القيم التي تربينا عليها كافية؟ هل ما زال الإخلاص والاجتهاد وحدهما طريقاً لتحقيق الأحلام؟ وهل أصبحت الفرص تُمنح للجميع بالقدر نفسه؟ إنها أسئلة لا أملك لها إجابات حاسمة، لكنني أعلم يقيناً أن الشعور بالظلم، سواء كان حقيقياً أو مجرد إحساس ناتج عن صدمة، من أكثر المشاعر قسوة على النفس البشرية، لأنه يسلبها الاطمئنان قبل أن يسلبها الفرح.
لقد أدركت خلال الساعات الماضية أن الصحة النفسية ليست رفاهية كما يظن البعض، بل هي خط الدفاع الأول عن الإنسان. فعندما تنهار النفس، يصبح التفكير مشوشاً، وتتراجع القدرة على اتخاذ القرار، وتتحول أبسط الكلمات إلى عبء ثقيل. لذلك فإن أول واجباتنا تجاه أنفسنا في أوقات الأزمات هو ألا نتخذ قرارات تحت وطأة الحزن، وألا نستسلم للأفكار السوداء، وأن نمنح الزمن فرصة ليهدئ العاصفة. فكل صدمة، مهما بلغت قسوتها، تفقد جزءًا من حدتها مع مرور الأيام إذا أحسن الإنسان التعامل معها، وتمسك بإيمانه، وأحاط نفسه بأشخاص يمنحونه الأمل لا اليأس.
ويبقى التحدي الأكبر هو استعادة الثقة؛ الثقة في النفس، وفي الناس، وفي المجتمع. هذه الثقة لا تعود بقرار، وإنما تعود حين ندرك أن الظلم لا يمكن أن يكون قاعدة للحياة، وأن التجارب القاسية لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام نهائية على الجميع. فكما يوجد ما يدعو إلى الإحباط، يوجد أيضاً ما يدعو إلى التمسك بالأمل. وما أكثر الذين تعثرت خطواتهم في البداية، ثم صنعوا نجاحات لم تكن تخطر على بال أحد. إن الحياة ليست امتحاناً واحداً، ولا نتيجة واحدة، ولا محطة واحدة، بل هي رحلة طويلة تتغير فيها الموازين، وتتبدل فيها الأحوال، ويأتي فيها من التعويض ما قد يمحو مرارة البدايات.
وربما تكون الرسالة التي أود أن أوجهها، لنفسي قبل غيري، أن الإنسان لا ينبغي أن يسمح للحظة قاسية بأن تهزم عمراً كاملاً من الكفاح. نعم، قد نشعر بالانكسار، وقد نبكي بصمت، وقد نعجز عن فهم ما جرى، لكننا لا نملك إلا أن نواصل الطريق. فالإيمان بالله، والثقة في عدله، واليقين بأن لكل مجتهد نصيباً في وقت يعلمه الله، هي القيم التي تحفظ الإنسان من السقوط في هاوية اليأس. وما أتمناه حقاً أن نعيد بناء مجتمع يؤمن بتكافؤ الفرص، ويمنح أبناءه الأمل قبل الدرجات، والعدل قبل الأحكام، لأن الأوطان لا تنهض إلا حين يشعر كل مجتهد أن تعبه لن يضيع، وأن العدالة ليست مجرد شعار، بل ممارسة يراها الناس في واقعهم كل يوم.
ورغم كل ما أشعر به الآن، فإنني أرفض أن يكون الإحباط هو نهاية الحكاية. فما زلت أؤمن بأن الله يخبئ لعباده من الخير ما تعجز العقول عن تصوره، وأن ما يبدو اليوم باباً مغلقاً قد يكون غداً بداية لطريق أكثر رحابة ونجاحاً. وستظل قناعتي راسخة بأن قيمة الإنسان لا تحددها نتيجة عابرة، وإنما يحددها خلقه، وإصراره، وقدرته على النهوض بعد كل عثرة. فهذه هي المعركة الحقيقية… أن ننتصر على اليأس، لا أن نستسلم له.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



