رئيس التحرير

حدث لي في مركز البحوث الزراعية

بقلم: د.أسامة بدير

أقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من العمر، وأنا أُنهي إجراءات خروجي إلى المعاش بعد أكثر من 32 عاماً قضيتها باحثاً داخل أروقة مركز البحوث الزراعية، تلك المؤسسة العلمية العريقة التي لم تكن بالنسبة لي مجرد جهة عمل، بل كانت بيتاً كبيراً، ومدرسةً للحياة، ومحفلاً علمياً صنعت داخله أجمل سنوات عمري، وتعلمت فيه معنى الانتماء الحقيقي للعلم والوطن. سنوات طويلة حملت بين طياتها العطاء والاجتهاد والعمل المخلص، وكان فضل الله حاضراً في كل خطوة، حتى تحولت رحلة العمل إلى مسيرة من التميز والإبداع والسعي الدائم لترك أثر حقيقي في المجتمع الزراعي والإعلامي والبحثي.

وخلال هذه الرحلة، جاء تأسيس موقع «الفلاح اليوم» وقناة «الفلاح اليوم» كأحد أهم وأعظم الإنجازات التي أعتز بها بكل فخر ورضا. فمنصتين بدأت بفكرة بسيطة تحولت بفضل الله ثم بالإصرار والعمل الدؤوب إلى نافذتين معرفيتين يتابعهما ملايين البشر سنوياً من مختلف الفئات؛ مزارعون، ومستثمرون، وباحثون، وطلاب علم، ومحبون للمعرفة الزراعية في مجالاتها كافة النباتية والحيوانية والداجنة والسمكية. كنا نؤمن أن المعلومة الزراعية الصحيحة قد تُغير مصير مزارع، وتدعم قرار مستثمر، وتبني وعي مجتمع بأكمله، ولذلك سعينا دائماً إلى تقديم محتوى مهني متنوع يجمع بين الخبر والتحليل والإرشاد والمعرفة العلمية المبسطة.

واليوم، وأنا أتنقل بين المكاتب لإنهاء إجراءات المعاش، أشعر بسعادة غامرة لا توصف. سعادة ممزوجة براحة نفسية عميقة ورضا داخلي كبير، لأنني أشعر أنني أديت رسالتي بقدر ما استطعت، ولم أقصر يوماً في عملي أو واجبي. حتى الإجراءات الروتينية والمستندات والأوراق التي قد يراها البعض مرهقة، أتعامل معها بابتسامة وطمأنينة، وكأنها لحظات حصاد أخير لرحلة طويلة وممتدة من العمل الشريف.

وأشعر كذلك براحة معنوية كبيرة وأنا أرتب تفاصيل هذه المرحلة الجديدة من حياتي. فالمعاش بالنسبة لي ليس نهاية الطريق، بل بداية مختلفة لحياة أكثر هدوءاً وتأملاً وحرية، أواصل خلالها رسالتي الفكرية والإعلامية والعلمية من زاوية أخرى، وربما بطاقة أكبر وخبرة أعمق. لقد أدركت مع مرور السنوات أن قيمة الإنسان لا ترتبط بمسمى وظيفي، بل بالأثر الذي يتركه خلفه في العقول والقلوب والمجتمع.

بل إن أكثر ما يمنحني السكينة في هذه الأيام هو شعوري بأنني أغادر موقع العمل وأنا ممتلئ بالامتنان لكل لحظة عشتها داخل هذا الصرح العلمي الكبير. فلم تكن الرحلة سهلة دائماً، لكنها كانت عظيمة بكل تفاصيلها، بحلوها ومرها، بما حملته من نجاحات وتحديات ومواقف وتجارب صنعت شخصيتي وصقلت خبرتي ومنحتني هذا الرصيد الإنساني الكبير.

وعلى مدار هذه العقود الطويلة، تعاملت مع وزراء زراعة، ورؤساء مركز البحوث الزراعية، ومديري معاهد ومعامل، ورؤساء قطاعات، وزملاء عمل من مختلف المواقع والتخصصات، لكنني أقف اليوم لأقول بصدق شديد: لا أتذكر أنني حملت يوماً ضغينة لأحد، أو تعمدت الإساءة إلى إنسان، أو دخلت في خصومة أفسدت الود والاحترام. كنت دائماً أؤمن أن الاحترام والتقدير والخلق الحسن هي رأس مال الإنسان الحقيقي داخل أي مؤسسة.

لقد كنت، بفضل الله، سنداً قوياً لكل جهد مخلص داخل وزارة الزراعة، وفي القلب منها مركز البحوث الزراعية، ومدافعاً مؤمناً بقيمة العلماء والباحثين ودورهم الوطني الكبير. كنت أرى أن واجبي الحقيقي لا يقتصر على أداء العمل الوظيفي، بل يمتد إلى دعم كل فكرة ناجحة، وتسليط الضوء على كل إنجاز علمي، ومساندة كل باحث يسعى لخدمة وطنه بعلمه واجتهاده.

ولم يكن هدفي يوماً البحث عن منصب أو شهرة أو مكسب شخصي، بقدر ما كان هدفي أن أكون عنصراً مؤثراً وفاعلاً في محيطي العملي والمهني. كنت أؤمن دائماً أن الإنسان الحقيقي هو من يترك بصمة بعد رحيله، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات التي قضاها الباحث في عمله، بل بحجم الأثر الذي صنعه خلال تلك السنوات.

واليوم، وأنا أراجع سنوات عمري داخل هذا المحفل العلمي الكبير، أشعر براحة ورضا كبيرين عما حققته بفضل الله داخل مركز البحوث الزراعية، ذلك الصرح الذي يمتلك مكانة علمية مرموقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وأعتقد أنني كنت جزءًا حقيقيًا من منظومة عمل تركت أثرًا ملموسًا في خدمة القطاع الزراعي والإعلام الزراعي ونقل المعرفة إلى الناس.

وأرى أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل باحث على نفسه ليس: كم سنة قضيتها في الوظيفة؟ بل: ماذا قدمت؟ ماذا أضفت؟ هل كنت مؤثراً في مكانك؟ هل أفدت الناس بعلمك وخبرتك؟ هل تركت أثراً طيباً بعدك؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع القيمة الحقيقية لأي إنسان، وهي المعيار الذي يبقى بعد انتهاء المناصب وتبدل المواقع. أما أنا، فأحمد الله أنني أغادر هذه الرحلة الطويلة وأنا ممتلئ بالرضا، مطمئن القلب، وفخور بما قدمته لوطني ومؤسستي ومهنتي والناس.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى