هون على نفسك يا صديقي فالأبوة لم تعد كما كانت!!

بقلم: د.أسامة بدير
بالأمس كتبت مقالاً بعنوان: «أبناؤنا لا يسمعون الكلام أم أننا لم نعد نفهم لغة هذا الجيل؟»، ولم أكن أتصور أن حديثي سيجد صداه سريعاً في مكالمة طويلة مع أحد أصدقائي، كان صوته مثقلاً بالحزن والإنهاك، يشكو أبناءه الذكور والإناث، الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والثانية والعشرين، ويقول بمرارة: “لم يعودوا يسمعون الكلام، كل واحد منهم يعيش برأسه، يكرر الأخطاء نفسها، ولا يقتنع بنصيحة، وكأن خبرتنا في الحياة لم تعد تعني لهم شيئاً”.
استمعت إليه طويلاً، ولم يكن يتحدث فقط عن خلافات عابرة داخل بيت، بل عن شعور موجع يعيشه كثير من الآباء والأمهات اليوم؛ شعور بأنهم أصبحوا غرباء داخل عالم أبنائهم. فالفجوة لم تعد فجوة عمر فقط، بل فجوة زمن كامل، وطريقة تفكير مختلفة، وإيقاع حياة أسرع بكثير من قدرتنا على الاستيعاب.
جيل اليوم لا يعيش كما عشنا نحن. نحن تربينا على فكرة السمع والطاعة، وعلى أن الكبير دائماً على حق، وأن التجربة أهم من الحماس، لكن أبناء هذا الزمن تربوا في عالم مفتوح بلا أسوار. هواتفهم الصغيرة تختصر العالم كله، يرون ويسمعون ويقارنون ويجادلون، ويتعاملون مع الحياة بثقة قد تبدو أحياناً غروراً أو اندفاعاً أو حتى رعونة.
المشكلة الحقيقية ليست أن أبناءنا لا يحبوننا أو لا يحترموننا، بل أن أدوات التأثير القديمة لم تعد صالحة كما كانت. أسلوب الأوامر المباشرة لم يعد يقنع، والصوت المرتفع لم يعد يخيف، والنصيحة الطويلة لم تعد تُسمع أصلاً وسط هذا الضجيج الرقمي الهائل الذي يبتلع انتباههم كل لحظة.
ولهذا قلت لصديقي: هون على نفسك… واحرص على صحتك. لا تجعل قلبك يستهلكه الغضب والقلق كل يوم. فالأب الذي ينهار نفسياً أو صحياً لن يستطيع أن ينقذ أبناءه، ولن يكسب المعركة معهم. بعض الآباء يظنون أن الضغط المستمر سيصنع أبناءً أفضل، لكن الحقيقة أن الضغط الزائد قد يصنع مسافات أبعد، وصمتاً أطول، وعناداً أكبر.
علينا أن نعترف أن أبناء اليوم يختلفون عنا تماماً. هم لا يرفضون النصيحة دائماً، لكنهم يريدون أن يشعروا أنهم شركاء في القرار، لا مجرد منفذين للأوامر. يريدون من يسمعهم قبل أن يحاسبهم، ويفهم دوافعهم قبل أن يدين تصرفاتهم. وربما لهذا السبب ينجح الحوار أحياناً فيما تفشل فيه مئات المحاضرات اليومية.
لقد أصبح من الخطأ أن نقارن أبناء اليوم بنا ونحن في أعمارهم. الزمن نفسه تغير، والضغوط تغيرت، وحتى شكل العلاقات الإنسانية تبدل. ما كان مقبولاً قبل عشرين أو ثلاثين عاماً لم يعد بالضرورة صالحاً الآن. نحن كنا نخاف من الخطأ لأن دوائرنا كانت ضيقة، أما هم فيعيشون في عالم مفتوح يسمح لهم بأن يخطئوا أمام الجميع ثم يواصلوا الحياة وكأن شيئاً لم يكن.
ورأيي الشخصي الذي أؤمن به بشدة هو أننا كآباء لم نعد قادرين على فرض السلوك بالقوة كما كان يحدث قديماً. جيل اليوم لا يُقاد بالخوف، بل بالفهم والاحتواء والقدوة. وكل محاولة لفرض السيطرة المطلقة غالباً ما تنتهي إما بالتمرد أو بالاغتراب النفسي داخل البيت الواحد.
وأعتقد أيضاً أن أكبر خطأ يرتكبه بعض الآباء هو اعتقادهم أن أبناءهم نسخة مكررة منهم. الحقيقة أن لكل جيل لغته الخاصة، وطريقته المختلفة في التفكير والتعبير والحلم. وإذا لم نحاول فهم هذه اللغة الجديدة، فسنبقى نتحدث كثيراً دون أن يسمعنا أحد.
أما الحقيقة الأخيرة التي يجب أن نعترف بها بشجاعة، فهي أن التربية اليوم لم تعد معركة أوامر ونواهٍ، بل أصبحت علاقة تحتاج إلى صبر هائل ومرونة وذكاء عاطفي. الأب الناجح الآن ليس الأكثر صرامة، بل الأكثر قدرة على الحفاظ على الجسر الإنساني مع أبنائه مهما اشتدت الخلافات وتبدلت الأفكار.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



