من مضيق هرمز إلى مائدة المصريين: كيف تعيد الحروب رسم خريطة الأمن الغذائي؟

بقلم: أ.د. علي إبراهيم
أستاذ بمركز البحوث الزراعية
لم تعد الحروب في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الخسائر العسكرية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل خرائط الاقتصاد العالمي، وفرض واقع جديد يمتد أثره إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز التصعيد الأمريكي الإيراني كأحد أخطر بؤر التوتر، ليس فقط لما يحمله من أبعاد سياسية، بل لما قد يفرضه من تداعيات مباشرة على أمن الغذاء في دول بعيدة جغرافيًا، وفي مقدمتها مصر.
قد يبدو الربط بين مضيق هرمز — ذلك الممر البحري الضيق — وسعر الخضروات في الأسواق المصرية أمرًا مبالغًا فيه للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يعكس طبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر، حيث تتشابك المصالح وتتداخل سلاسل الإمداد بشكل يجعل أي اضطراب في نقطة استراتيجية كهرمز كفيلًا بإحداث موجات متتالية من التأثيرات.
أولى هذه الموجات تبدأ من الطاقة. فالمضيق يمثل شريانًا رئيسيًا لتدفق النفط عالميًا، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورًا على الأسعار. بالنسبة لمصر، التي لا تزال تتأثر بتقلبات سوق الطاقة، فإن ارتفاع أسعار الوقود لا يعني فقط زيادة في تكاليف النقل، بل يمتد ليشمل تشغيل نظم الري والآلات الزراعية وسلاسل التبريد والتوزيع. وهكذا، تتحول الزيادة في سعر برميل النفط إلى عبء إضافي على تكلفة إنتاج كل فدان.
غير أن الخطر الأكبر يكمن في سوق الأسمدة، التي تمثل عصب الإنتاج الزراعي الحديث. فاضطراب التجارة العالمية أو ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة يؤديان إلى قفزات في أسعار الأسمدة، ما يضع المزارع أمام معادلة صعبة: إما تحمل تكاليف أعلى في ظل هوامش ربح متآكلة، أو تقليل استخدام المدخلات بما ينعكس سلبًا على الإنتاجية. وفي الحالتين، تكون النتيجة النهائية واحدة: ارتفاع أسعار الغذاء وتزايد الضغوط على المستهلك.
ولا تقف التداعيات عند حدود الاقتصاد الزراعي، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي. ففي دولة يشكل فيها الإنفاق على الغذاء نسبة معتبرة من دخل الأسر، يصبح أي ارتفاع في الأسعار تهديدًا مباشرًا للاستقرار المعيشي. ومع استمرار الأزمات الجيوسياسية، تتحول هذه الضغوط من كونها ظرفًا طارئًا إلى واقع ممتد، يفرض تحديات مركبة على صانع القرار.
غير أن الأزمات الكبرى كثيرًا ما تحمل في طياتها فرصًا لإعادة البناء. فالتحديات الراهنة تطرح ضرورة ملحة لإعادة النظر في نموذج الإنتاج الزراعي في مصر، عبر تقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، والتوسع في استخدام الأسمدة العضوية والحيوية، وتعزيز كفاءة استخدام المياه والطاقة. كما يبرز التحول نحو الطاقة المتجددة، خاصة في تشغيل نظم الري، كأحد المسارات القادرة على تخفيف أثر تقلبات الأسواق العالمية.
في الوقت ذاته، يصبح من الضروري تبني سياسات أكثر مرونة في إدارة المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، بما يقلل من درجة التعرض للصدمات الخارجية. فالأمن الغذائي لم يعد ملفًا قطاعيًا يخص الزراعة وحدها، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي.
في النهاية، تكشف هذه التطورات حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن العالم بات أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأن ما يجري في ممر مائي على بعد آلاف الكيلومترات قد يحدد ملامح الحياة اليومية للمواطن المصري. ومن هنا، فإن القدرة على التكيف مع هذا الواقع لم تعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة عصر تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتتقاطع فيه الجغرافيا مع لقمة العيش.
ففي زمن الاضطراب، يصبح تأمين الغذاء هو المعركة الحقيقية التي لا تحتمل التأجيل.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



