كيف يدير مزارعو القمح الري خلال مرحلة امتلاء الحبوب لتجنب الرقاد وخسائر الإنتاج؟

إعداد: أ.د.خالد فتحي سالم
أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الزراعة في مصر بمعزل عن تلك التحولات، حيث يواجه المزارعون تحديات متزايدة تتعلق بإدارة الموارد المائية والحفاظ على إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح. ومع دخول الموسم الحالي مرحلة حساسة من نمو المحصول، تتزايد تساؤلات المزارعين حول أفضل الممارسات الزراعية، خاصة فيما يتعلق بجدولة الري وتجنب ظاهرة “الرقاد” التي قد تهدد الإنتاج.
وفي حالة من الترقب والحذر بين مزارعي القمح في مصر، يقف الكثيرون أمام قرار مصيري: هل يحتاج القمح إلى رية إضافية، أم أن التوقف عن الري هو الخيار الأكثر أمانًا لتفادي خسائر محتملة؟
مرحلة حرجة في عمر المحصول
وتُعد المرحلة الحالية، والتي تُعرف بمرحلة طرد السنابل وبداية امتلاء الحبوب، من أهم المراحل الفسيولوجية في حياة نبات القمح. ففي هذه الفترة، يتحدد إلى حد كبير حجم الإنتاج النهائي وجودة الحبوب. وأي تدخل غير محسوب، سواء بزيادة الري أو نقصه، قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وإن “التوازن هو مفتاح النجاح في هذه المرحلة”، موضحًا أن النبات يحتاج إلى قدر معتدل من الرطوبة، دون إفراط قد يؤدي إلى ضعف الساق وسهولة انحنائها تحت تأثير الرياح أو الأمطار.
الرقاد… خطر صامت يهدد المحصول
تُعد ظاهرة الرقاد، أو انحناء سيقان القمح باتجاه الأرض، من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين خلال هذه الفترة. وغالبًا ما تنتج هذه الظاهرة عن مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها زيادة معدلات الري، وارتفاع الكثافة النباتية، والتسميد الآزوتي الزائد، إلى جانب الظروف الجوية غير المستقرة.
وعند حدوث الرقاد، تتعرض السنابل لمشكلات متعددة، مثل صعوبة التهوية، وزيادة احتمالات الإصابة بالأمراض الفطرية، فضلًا عن تعقيد عمليات الحصاد وانخفاض جودة الحبوب. وتشير التقديرات إلى أن الرقاد قد يؤدي إلى خسارة نسبة كبيرة من الإنتاج، خاصة إذا حدث في توقيت مبكر.
الري… بين الضرورة والحذر
في ظل هذه المعطيات، يصبح قرار الري مسألة دقيقة تتطلب تقييمًا مستمرًا لحالة التربة والنبات. وأن القاعدة العامة هي عدم اللجوء إلى الري إلا عند الحاجة الفعلية، والتي يمكن الاستدلال عليها من خلال جفاف التربة أو ظهور علامات إجهاد مائي على النبات، مثل التفاف الأوراق أو تغير لونها.
كما أن لنوع التربة دورًا في تحديد مواعيد الري، حيث تختلف احتياجات الأراضي الطينية عن الرملية. ففي حين تحتفظ التربة الطينية بالرطوبة لفترة أطول، تحتاج الأراضي الرملية إلى فترات ري أقصر وأكثر تكرارًا.
وفي هذا السياق، يُنصح بأن تكون الرية، إن لزم الأمر، خفيفة “على الحامي”، لتوفير الحد الأدنى من الرطوبة دون إغراق التربة، مع تجنب الري في أوقات نشاط الرياح.
الطقس غير المستقر يزيد التعقيد
يزيد من تعقيد المشهد الزراعي هذا الموسم التقلبات الجوية، التي تشمل تغيرات مفاجئة في درجات الحرارة، ونشاط الرياح في بعض المناطق. وتؤثر هذه العوامل بشكل مباشر على توازن النبات، حيث تؤدي الرياح القوية، خاصة مع زيادة رطوبة التربة، إلى زيادة احتمالات الترقيد.
وتُشير إلى أن هذه التقلبات قد تستمر خلال الأسابيع المقبلة، ما يستدعي من المزارعين توخي الحذر ومتابعة التوقعات الجوية بشكل مستمر قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالري أو التسميد.
دور الإرشاد الزراعي
في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الإرشاد الزراعي في توجيه المزارعين وتقديم التوصيات المناسبة لكل حالة. ولا بد من زيادة توعية المزارعين بزيارات ميدانية، خاصة في القرى والمناطق الزراعية، لضمان وصول المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب.
أيضًا استخدام التقنيات الحديثة، مثل تطبيقات الهاتف المحمول، لمتابعة حالة الطقس ورطوبة التربة، ما يساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة ويقلل من الاعتماد على التقديرات الشخصية.
تجارب ميدانية ودروس مستفادة
وللعلم ننوه أن بعض المزارعين تعرضوا لخسائر في مواسم سابقة نتيجة الإفراط في الري خلال هذه المرحلة، حيث أدى ذلك إلى رقاد أجزاء من الحقول وصعوبة الحصاد. وفي المقابل، فإن الالتزام بالتوصيات الفنية، خاصة فيما يتعلق بتقليل الري، ساهم في الحفاظ على استقامة النباتات وتحقيق إنتاج جيد.
وتبرز هذه التجارب أهمية التعلم من الأخطاء السابقة، والاعتماد على الخبرة المتراكمة، إلى جانب الاسترشاد بالتوجيهات العلمية.
نحو إدارة مستدامة للمياه
في ظل محدودية الموارد المائية، تكتسب مسألة ترشيد استخدام المياه أهمية خاصة. وأن تحسين كفاءة الري لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج، بل يسهم أيضًا في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل التكاليف على المزارعين.
وتشمل هذه الجهود استخدام طرق ري حديثة، وتحسين بنية التربة، واختيار الأصناف المناسبة التي تتحمل الظروف البيئية المختلفة.
الموجز المختصر
مع اقتراب موسم الحصاد، يقف مزارعو القمح أمام تحديات تتطلب توازنًا دقيقًا بين تلبية احتياجات النبات وتفادي المخاطر المحتملة. وبين الحاجة إلى الري وخطر الرقاد، يبقى القرار النهائي مرهونًا بتقدير الحالة الميدانية لكل حقل، ومدى التزام المزارع بالتوصيات الفنية.
وفي ظل هذه الظروف، تظل الحكمة في الإدارة الزراعية، والمتابعة المستمرة، والاستفادة من الخبرات العلمية، هي العوامل الحاسمة لضمان موسم ناجح وإنتاج وفير من أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في مصر.
وهكذا، تستمر رحلة القمح من البذرة إلى الحصاد، محملة بجهود المزارعين وآمالهم، في مواجهة تحديات الطبيعة وتقلباتها، سعيًا لتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



