كيف نقرأ تاريخ الأرض من خلال جينات الكائنات الخفية؟

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

(بداية أدبية: محادثة بين الطحالب والذاكرة)
في قلب “مستنقع الخث” العتيق بأسكتلندا، حيث يخزن الماء البارد أسرار آلاف السنين، كانت مستعمرة من البكتيريا القديمة تحتفظ بقصة لم تُروَ بعد. كل خلية منها كانت كصفحة في كتاب أرضي عتيق، تحمل شفرة وراثية تسجل كيف تعاملت مع تقلبات المناخ عبر العصور.
على بعد أميال، في مختبرات معهد إيرلهام، كانت العالمة الشابة “لورين ميسر” تفتح هذا الكتاب الأرضي بمنهجية جديدة. لم تكن تنظر إلى التربة كمجرد وعاء لنمو النبات، بل كمكتبة حية، كل رف فيها يحوي مجلدات من الجينات البكتيرية والفطرية التي دونت تاريخ العلاقة بين الأرض والمناخ.
هنا، في هذه المساحات الرطبة المنسية، تكمن قوة خفية: ميكروبات تستطيع أن تحبس الكربون تحت الأرض لقرون، أو أن تطلقه في الهواء خلال أيام. لورين تعرف أن هذه المخلوقات المجهرية هي حراس المناخ الحقيقيون، وإن كانوا غير مرئيين.
(الخلفية الاستراتيجية: عندما تحمل التربة ذاكرة المناخ)
تشغل الموائل الطبيعية التي لا تعوض – مثل الغابات العتيقة، ومستنقعات الخث، والمسطحات الملحية، وكثبان الرمال الساحلية – فقط خمسة عشر في المئة من مساحة أراضي بريطانيا، لكنها مسؤولة عن تخزين ستين في المئة من الكربون الطبيعي البري في البلاد. الأكثر إثارة أن تسعين في المئة من هذا الكربون محبوس في التربة نفسها، عبر عملية معقدة تقودها النباتات التي تمتص ثاني أكسيد الكربون، والميكروبات التي تتحكم ببطء في تحلل المادة النباتية، محبسة الكربون الذي كان من الممكن أن ينطلق إلى الغلاف الجوي.
هذه الأراضي ليست مجرد مناظر طبيعية جميلة؛ إنها خزانات كربون عملاقة، وتدهورها قد يطلق كميات هائلة من غازات الدفيئة، معيقًا جهود العالم للحد من الاحتباس الحراري.
المفارقة الخطيرة: رغم الدور المحوري لمجتمعات الميكروبات في صحة النظم البيئية وتوازن المناخ، فإن هذه المجتمعات لا تُدرج في أهداف التنوع البيولوجي أو الحياد الكربوني للدول. إنه إغفال قد يكلف البشرية ثمنًا باهظًا.
لورين ميسر: عالمة البيئة الميكروبية التي تستمع إلى همس التربة
تقول لورين، عالمة البيئة الميكروبية والزميلة التنموية في معهد إيرلهام: “تربة الموائل التي لا تعوض مهمة جدًا لكوكبنا، لكن فهمنا للكائنات الحية الدقيقة الموجودة فيها وتفاعلاتها عبر الزمن لا يزال محدودًا للغاية.”
باستخدام أحدث تقنيات التسلسل الجيني والحوسبة المتقدمة، تهدف لورين إلى رسم صورة شاملة لميكروبيومات التربة في هذه الموائل عبر بريطانيا على المستوى الجينومي. تحليلها سيشمل جميع مجالات الحياة (البكتيريا، العتائق، حقيقيات النوى)، وكذلك الفيروسات.
التحالف العلمي من أجل الذاكرة الأرضية:
تعمل لورين مع باحثين في “معهد جيمس هوتون”، و”جامعة إيست أنجليا”، و”المركز البريطاني لعلم البيئة والهيدرولوجيا”، لتحليل عينات التربة المجمدة المخزنة في أرشيفاتهم، وتبدأ في بناء أول قاعدة بيانات للجينومات الميكروبية للتربة في هذه الموائل النادرة.
الخطوة التالية: من المراقبة إلى الهندسة
“سأستخدم تقنيات فرز الخلايا لعزل الكائنات الدقيقة من عينات طازجة، وأنمّي مجتمعات تركيبية في المختبر لأرى كيف تتأثر قدراتها على تدوير الكربون بالتغيرات في درجة الحرارة ومستويات المياه ودرجة الحموضة”، تضيف لورين. هذا سيمكنها من فهم مساهمتها في تحليل الكربون وتخزينه، وتأثيرها على مرونة هذه الموائل ذات الأهمية العالمية.
من البحار إلى التربة: رحلة عالمة
بدأت رحلة لورين مع التعقيد المذهل لعالم الميكروبات خلال دراستها الجامعية في علم الأحياء البحرية. تدريبها في “معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء الدقيقة البحرية” في ألمانيا ثبّت شغفها.
“تقوم الكائنات الدقيقة البحرية بوظائف بيئية مهمة عالميًا، من خلال تثبيت ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، فهي تشكل أساس دورات الكربون والمغذيات”، تشرح.
خبرتها امتدت من محيطات أستراليا، حيث ركزت دكتوراهها على فهم تنوع وتوزيع ونشاط البكتيريا المثبتة للنيتروجين، إلى دراسة ميكروبات الشعب المرجانية التي قد تساعدها على تحمل ارتفاع حرارة المحيطات، وصولًا إلى استكشاف تفاعلات الميكروبات مع تلوث البلاستيك البحري في أسكتلندا.
الرؤية المستقبلية: هندسة الحراس الخفيين للمناخ
على المدى الطويل، تأمل لورين أن تتمكن من هندسة المجتمعات الميكروبية لتعزيز قدراتها الطبيعية على احتجاز الكربون.
“الهندسة الأيضية للكائنات الدقيقة في التربة لتحسين عزل الكربون هي استراتيجية مثيرة ومتطورة للتخفيف من التأثير البيئي للغازات المنشطة للمناخ”، تقول لورين.
هذا العمل يوسع نطاق أبحاث المعهد حول المجتمعات الميكروبية، التي تركز بشكل رئيسي على ميكروبيومات الإنسان والتربة الزراعية، ليشمل الموائل الطبيعية البكر.
العبرة المصرية: واحات الصحراء كخزانات كربون محتملة
في مصر، حيث تغطي الصحراء معظم مساحتنا، تكمن فرصة تاريخية غير مستغلة. الواحات المصرية (سيوة، الفرافرة، الخارجة، الداخلة) ليست مجرد جزر خضراء في بحر من الرمال، بل هي نظم بيئية فريدة ومستقرة يمكن أن تكون خزانات كربون طبيعية إذا فهمنا ميكروبيومات تربتها.
ما الذي يمكن أن نتعلمه من بحث لورين في مصر؟
١. تأسيس “أطلس الميكروبيوم المصري للتربة”: بدلًا من استيراد بيانات عن ميكروبات التربة في المناطق المعتدلة، نحتاج إلى مشروع وطني لرسم خرائط جينية للمجتمعات الميكروبية في الواحات المصرية، وسهول الدلتا، ومناطق الساحل الشمالي. هذه المجتمعات تكيفت على مدى آلاف السنين مع الجفاف والملوحة، وقد تحمل جينات مقاومة للمناخ يمكن استغلالها.
٢. التربة المصرية كحل لظاهرة التصحر: ميكروبات التربة في المناطق الجافة متخصصة في الاحتفاظ بالماء وتثبيت الكربون. دراستها يمكن أن تقود إلى تطوير مستحضرات حيوية محلية تساعد في إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة في مشروع الدلتا الجديدة، وتحويلها من مصدر للانبعاثات إلى مصائد للكربون.
٣. من “الموائل التي لا تعوض” إلى “الموائل التي نستعيدها”: بينما تركز لورين على الحفاظ على الموائل القديمة، يمكن لمصر أن تركز على هندسة موائل جديدة في الصحراء، باستخدام ميكروبات محلية معززة، لخلق نظم بيئية منتجة ومحتجزة للكربون في الوقت نفسه.
٤. دمج الميكروبات في الاستراتيجية الوطنية للحياد الكربوني: يجب أن تدرج مصر المجتمعات الميكروبية للتربة كعنصر أساسي في خططها للحد من الانبعاثات. استصلاح مليون فدان بتربة حية غنية بالميكروبات المحبسة للكربون قد يكون له تأثير أكبر من العديد من المشاريع الصناعية المعقدة.
الختام: عندما تكون أصغر كائنات الأرض هي أقوى حراس مناخها
قصة لورين ميسر وأبحاثها ليست مجرد بحث أكاديمي، بل هي تغيير في المنظور. إنها تدعونا للانحناء والنظر عن قرب إلى عالم تحت أقدامنا، عالم يقرر مصير العالم فوقنا.
في الوقت الذي تنشغل فيه البشرية بتقنيات احتجاز الكربون الصناعية المعقدة والمكلفة، تذكرنا لورين بأن الحل الأكثر أناقة قد يكون موجودًا بالفعل في كل جرام من تربة غابة عتيقة أو واحة مصرية، على شكل مجتمعات ميكروبية دقيقة تعرف بالفعل كيف تحبس الكربون، لأنها مارسته منذ فجر الحياة على الأرض.
السؤال الذي تطرحه أبحاث لورين علينا في مصر هو: هل سنستمر في النظر إلى تربتنا كوسط خامل نزرع فيه، أم سنبدأ في رؤيتها كشريك حيوي ذكي في معركتنا ضد التغير المناخي؟
الإجابة ستحدد ما إذا كنا سنكون مجرد متفرجين على ثورة فهم الميكروبيوم الأرضي، أم سنكون روادًا في تطبيقه في واحدة من أكثر بيئات العالم تحديًا: الصحراء التي تطلب التحول إلى جنة خضراء.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



