رأى

“مقصات الأمل”: كيف يعيد التحرير الجيني (CRISPR) صياغة مستقبل بذورنا المحلية؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

في المقالات السابقة، تحدثنا عن كيفية “قراءة” الشفرة الوراثية وفهم “جينات الصمود”. واليوم نصل إلى المحطة الأكثر إثارة: ماذا لو استطعنا “تعديل” تلك الشفرة؟ ليس عبر نقل جينات غريبة من كائنات أخرى كما في “المعدلة وراثياً” التقليدية، بل عبر “تصحيح” وإعادة ضبط جينات النبات نفسه بدقة متناهية. نحن نتحدث عن تكنولوجيا “كريسبر” (CRISPR)، أو ما يسمى بـ “المقصات الجينية”.
فكيف ستمكننا هذه “الدقة الجراحية” من تفصيل بذورنا المحلية لتناسب احتياجاتنا المستقبلية؟

1ـ جراحة جينية.. لا “هندسة” عشوائية

تخيل أن جينوم النبات كتاب ضخم يحتوي على ملايين الكلمات. تقنية “كريسبر” تعمل كخاصية (Find and Replace) على الكمبيوتر؛ فهي تذهب إلى كلمة واحدة “خاطئة” — تسبب مثلاً حساسية النبات للملوحة — وتقوم بتصحيحها أو تعطيلها دون المساس ببقية الكتاب. هذه الدقة تجعل الصنف الناتج “طبيعياً” تماماً، لكنه نسخة “محسنة” من نفسه.

2ـ “تفصيل” محاصيل تناسب ذوقنا واحتياجاتنا

بواسطة كريسبر، يمكننا تلبية احتياجات السوق والمزارع معاً. هل نريد قمحاً يحتوي على نسبة أعلى من البروتين؟ أو طماطم تظل طازجة لفترة أطول دون أن تفسد أثناء النقل؟ أو أرزاً يستهلك نصف كمية المياه المعتادة؟ هذه التقنية تسمح لنا بـ “تفصيل” هذه الصفات في أصنافنا المحلية العريقة، لنجمع بين “أصالة” المذاق المصري و”تطور” الأداء العالمي.

3ـ التحرير الجيني.. سلاحنا ضد الآفات المتطورة

بدلاً من رش المبيدات الكيميائية التي تضر التربة والصحة، يمكننا استخدام “كريسبر” لتقوية جهاز المناعة الداخلي للنبات. نحن نقوم بتعطيل “المستقبلات” التي تستخدمها الفيروسات أو الفطريات للدخول إلى خلية النبات. النتيجة هي بذور تمتلك “درعاً وراثياً” ذاتياً، مما يقلل اعتماد الفلاح على المبيدات ويوفر الكثير من التكاليف.

4ـ التميز عن “الأصناف المعدلة وراثياً” (GMOs)

هناك فرق جوهري يجب أن يعرفه الجميع؛ فالأصناف الناتجة عن “كريسبر” في كثير من التشريعات العالمية لا تُعامل كأصناف “معدلة وراثياً”، لأننا لا نضيف جينات من أنواع أخرى (مثل جينات بكتيرية)، بل نكتفي بتحسين جينات النبات الأصلية. هذا يجعل قبولها المجتمعي والرقابي أسهل، ويفتح أمام بذورنا المحلية آفاق التصدير العالمي.

5ـ حلم “السيادة التكنولوجية”

إن امتلاكنا لأدوات التحرير الجيني في معاملنا الوطنية يعني أننا لن ننتظر الشركات العالمية لتقدم لنا “حلولاً جاهزة” قد لا تناسب تربتنا أو مناخنا. نحن من سيقوم بتطوير بذورنا بأيدي علمائنا، لنصنع مستقبلاً تكون فيه السيادة لمن يمتلك “المقص” ومن يعرف أين “يقص”.

مسك الختام

انتهت رحلتنا في هذه السلسلة، لكن رحلة العلم في حقولنا بدأت للتو. من المسح الجيني المحمول إلى مقصات كريسبر، الهدف واحد: فلاح قوي، محصول وافر، وأمن غذائي مستدام. العلم هو “الماء الجديد” الذي سيسقي أرضنا في المستقبل، وعلينا جميعاً أن نكون مستعدين لهذا المستقبل.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى