رأى

دلتا النيل تواجه ارتفاع منسوب البحر وهبوط الأرض.. تهديد مستمر للسكان والزراعة

بقلم: أ.د.صبحي فهمي منصور

أستاذ الأراضي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة – مركز البحوث الزراعية

حذرت دراسة علمية حديثة من أن أعدادًا كبيرة من دلتا الأنهار، وصل عددها إلى ثماني عشرة حول العالم، تشهد هبوطًا أرضيًا متسارعًا يفوق معدلات الارتفاع العالمي لمستوى سطح البحر، في تطور خطير يهدد ملايين السكان بفيضانات كارثية، بل وفقدان مساحات شاسعة من الأراضي الساحلية. ودلتا النيل بمصر لا تختلف عن هذه الدلتاوات كثيرًا، والمعلوم أن هبوط دلتا النيل ظاهرة جيولوجية بيئية معقدة، لكنها تسارعت بشكل واضح خلال العقود الأخيرة.

كما أظهرت الدراسة أن الهبوط الأرضي أصبح العامل الأبرز في تفاقم المخاطر الساحلية في دلتا الأنهار، متجاوزًا في تأثيره المباشر الارتفاع التدريجي لمنسوب سطح البحر المرتبط بتغير المناخ.

وتواجه دلتا نهر النيل بمصر خطرًا متزايدًا نتيجة ارتفاع منسوب سطح البحر من ناحية، وهبوط أرضي من ناحية أخرى، وتعد دلتا النيل بمصر من بين أكثر دلتاوات العالم تعرضًا لمخاطر الهبوط الأرضي، في ظاهرة تتسارع بفعل النشاط البشري وتغير المناخ معًا.

ولا تمثل دلتا النيل مجرد مساحة جغرافية، بل تعتبر قلبًا زراعيًا وسكنيًا لمصر، حيث يقطنها عشرات الملايين من البشر، وتساهم في جزء كبير من الغذاء المحلي.

كما كشفت الدراسة أن أجزاء واسعة من دلتا النيل تهبط بمعدلات تفوق متوسط ارتفاع سطح البحر، مما يعني أن كثيرًا من المناطق الساحلية والزراعية في شمال الدلتا تواجه خطر الغمر والتملح بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا، حيث أوضحت الدراسة ما يلي:

  • معدل الهبوط في شمال الدلتا يتراوح ما بين -12 إلى -20 مم/سنة، وذلك في الفترة من 2015 – 2019، في المدن التالية (الزقازيق – طنطا – المنصورة – ميت غمر – المحلة).

  • معدل الهبوط على طول السواحل الشمالية للدلتا يتراوح ما بين -3 إلى -8 مم/سنة.

  • معدل الهبوط في مدن مثل دمياط وصل إلى حوالي -11 مم/سنة، والمنصورة وصل إلى حوالي -9 مم/سنة. كل هذا الهبوط يحدث بينما يقدر ارتفاع منسوب البحر حول الدلتا بما يقارب 6.3 مم/سنة، مما يدل على أن الهبوط الأرضي في شمال الدلتا يتم بوتيرة أسرع من ارتفاع سطح البحر نفسه (3.4 مم/سنة)، مما يزيد من مخاطر الفيضانات وتغلغل المياه المالحة كما هو موضح بالشكل التالي.

كل هذا يحدث بسبب تداخل عوامل طبيعية وبشرية أدت إلى تسارع هبوط الدلتا، من أهمها ما يلي:

أولًا: أسباب طبيعية

1- الهبوط الجيولوجي الطبيعي: حيث إن دلتا النيل مكونة من رواسب طميية حديثة نسبيًا وقابلة للانضغاط، ومع مرور الزمن يحدث انضغاط طبيعي لهذه الطبقات تحت وزنها الذاتي.

2- الحركات التكتونية البطيئة: حيث تقع شمال الدلتا قرب مناطق فوالق نشطة نسبيًا في البحر المتوسط، مما يسبب هبوطًا تدريجيًا.

3- التغير المناخي وارتفاع سطح البحر: حيث إن سطح البحر يرتفع بمعدل ملحوظ، وفي نفس الوقت يحدث الهبوط النسبي لسطح الأرض (أي أن هناك تأثيرًا مزدوجًا يؤدي في النهاية إلى غرق نسبي للأرض حتى لو كان الهبوط بطيئًا). هذا بالإضافة إلى أن تداخل مياه البحر المالحة يضعف التربة ويزيد من انضغاطها.

ثانيًا: أسباب بشرية (وهي الأهم في تسريع الظاهرة) وتشمل:

1- حجز الطمي خلف السد العالي، حيث إن النيل كان يمد الدلتا سنويًا بنحو 120 – 150 مليون طن من الطمي وذلك قبل بناء السد العالي، وبعد البناء توقف وصول الطمي تقريبًا، لذا فقدت الدلتا قدرتها الطبيعية على تعويض الهبوط والتآكل.

2- السحب الجائر للمياه الجوفية، مما يقلل الضغط داخل الطبقات الرسوبية، مما يؤدي إلى انضغاط التربة وهبوط سطح الأرض.

3- استخراج الغاز الطبيعي والبترول، خاصة في مناطق (دمياط – رشيد – إدكو)، حيث إن سحب الغاز من الأعماق يؤدي إلى هبوط موضعي أو إقليمي في سطح الأرض.

4- التوسع العمراني والحمولات الثقيلة: يأتي ذلك عن طريق البناء الكثيف على تربة ضعيفة مما يزيد من الضغط على الطبقات الطميية الرخوة.

ثالثًا: عوامل تزيد التأثيرات خطورة وتشمل:

1- تآكل السواحل خاصة عند مصبات النيل.

2- ضعف برامج التغذية الرسوبية الاصطناعية.

3- الزراعة الكثيفة واستخدام مياه صرف مالحة أو غير معالجة، حيث إن هذه المياه لها علاقة غير مباشرة بهبوط دلتا النيل، حيث تعمل على:

أ- زيادة تداخل مياه البحر.
ب- زيادة غرق الأراضي المنخفضة نتيجة لتغير ضغط المياه في الطبقات الجوفية، مما يؤدي إلى انضغاط الطبقات الطينية الرخوة وبالتالي هبوط بطيء للأرض.
ج- زيادة تدهور الأراضي الزراعية.
د- استخدام مياه الصرف لا يضيف رواسب تعويضية، بل يزيد من هبوط التربة نتيجة احتواء هذه المياه على أملاح عالية ومواد عضوية متحللة، بالإضافة إلى معادن ثقيلة.
هـ- ارتفاع منسوب المياه الأرضية نتيجة الري المستمر بمياه الصرف، والذي يؤدي إلى جفاف لاحق أو سحب للمياه مما ينتج عنه هبوط دوري.

لذا يمكن القول: (هبوط الدلتا + استخدام مياه صرف = خطر مضاعف).

وختامًا، نجد أن مياه الصرف لا تعد السبب الرئيسي لهبوط الدلتا، لكنها عامل مسرع ومضاعف للخطر من خلال:

  • التأثير على التربة.

  • تغيير الهيدرولوجيا الجوفية.

  • غياب الترسيب التعويضي.

وفي النهاية نتساءل: ماذا نحن فاعلون لمواجهة هذه الظاهرة؟ وللإجابة نلتقي في المقال القادم.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى