ارحمونا من زيف تحليلات الخبراء في الإعلام المرئي والمسموع

بقلم: د.أسامة بدير
لم تعد برامج التحليل في كثير من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ساحة جادة لتبادل الرأي أو إضاءة القضايا العامة، بقدر ما تحولت في أحيان كثيرة إلى منصات مفتوحة لمن يطلق عليهم “خبراء” و“محللون” و“أكاديميون”، يتحدثون في كل شيء وعن أي شيء، وكأن المعرفة يمكن أن تُختزل في بضع عبارات إنشائية تُقال على الهواء. والأدهى أن هذه الآراء تُقدم للمشاهد أو المستمع على أنها قراءات عميقة للواقع المصري، بينما هي في الحقيقة أقرب إلى اجتهادات سطحية لا تصمد أمام أبسط قدر من الفحص أو التفكير.
يقني أن المشكلة ليست في تعدد الآراء، فاختلاف الرؤى أمر صحي وضروري لأي مجتمع حي، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في مستوى هذه الآراء نفسها. فالمشاهد أو المستمع الذي يمتلك الحد الأدنى من الوعي بما يدور حوله يستطيع بسهولة أن يكتشف مدى ضحالة بعض التحليلات التي تُقدم له في ثوب الخبرة والعلم. كلمات كبيرة، ومصطلحات رنانة، ووجوه تتكرر على الشاشات، لكن حين تُمحص الأفكار تجدها فارغة من العمق، بعيدة عن واقع المجتمع، بل وأحياناً منفصلة تماماً عن ثقافة المواطنين وهمومهم اليومية.
لقد بات واضحاً أن بعض البرامج الإعلامية تعتمد على “الظهور المتكرر” أكثر مما تعتمد على الكفاءة الحقيقية. فيتحول بعض الضيوف إلى ضيوف دائمين، يعلقون على الاقتصاد صباحًا، والسياسة مساءً، والمجتمع في اليوم التالي، دون امتلاك المعرفة المتخصصة أو الرؤية المتماسكة. وهنا يتحول الإعلام من منصة للتنوير إلى مساحة لإعادة إنتاج الكلام العام والإنشاء الفضفاض الذي لا يضيف للمجتمع شيئاً.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بتقديم محتوى ضعيف، بل تسهم أيضاً في تشويش وعي الجمهور. فعندما يسمع المواطن تحليلات سطحية تُقدم له باعتبارها “حقيقة علمية” أو “قراءة أكاديمية”، فإنه يجد نفسه أمام خطاب يفتقر إلى الدقة والموضوعية، ويبتعد عن نبض الشارع المصري الحقيقي. وهكذا تصبح بعض هذه التحليلات مكانها الطبيعي سلة المهملات الفكرية، لا عقول أبناء هذا الوطن.
ارحمونا من هؤلاء السفهاء الذين يتحدثون باسم الخبرة والعلم وهم يفتقرون إلى أبسط مقومات الفهم الحقيقي للمجتمع. فالشاشات أو الإذاعات ليست ملكاً لأحد ملكية مطلقة، وليست مساحة مفتوحة لتصدير آراء مرتجلة تُقال بلا مسؤولية أو تدقيق، وإنما ينبغي أن تدار وفقا لميثاق الشرف الصحفي والإعلامي.
إن المسؤولية هنا تقع أولاً على المؤسسات الإعلامية نفسها، التي ينبغي أن تتحرى بدقة من تستضيفهم تحت مسميات “خبير” أو “محلل” أو “أكاديمي”. فالمجتمع المصري يستحق خطابًا إعلاميًا يحترم وعيه، ويستند إلى معرفة حقيقية، لا إلى حضور شكلي أو شهرة عابرة.
كما أن المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار لمعايير الموضوعية والشفافية في اختيار الضيوف والمتحدثين. فالخبير الحقيقي هو من يمتلك معرفة عميقة بمجاله، ويفهم واقع المجتمع وثقافة مواطنيه، ويقدم تحليلات مبنية على بيانات ومعرفة، لا على انطباعات عامة أو آراء مرتجلة.
وأخيراً، فإن احترام عقل المواطن المصري يجب أن يكون القاعدة الأساسية لأي عمل إعلامي. فالجمهور لم يعد متلقياً سلبياً كما كان في الماضي، بل أصبح قادراً على التمييز بين التحليل الرصين والكلام الفارغ. ومن هنا، فإن إنقاذ الخطاب الإعلامي يبدأ من تحري الدقة، والموضوعية، والصدق العلمي في اختيار من يتحدثون باسم الخبرة أمام الرأي العام. فالإعلام الجاد لا يصنعه الضجيج، بل تصنعه المعرفة والمسؤولية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.




ما تفضل به د. أسامة بدير يفتح بابًا واسعًا للتأمل في أزمة أعمق من مجرد ظاهرة ضيوف يتكرر ظهورهم في البرامج الإعلامية. فالقضية في جوهرها ليست فقط من يتحدث على الشاشات، بل كيف تشكّل الخطاب العام الذي يُقدَّم للمجتمع، وما المعايير التي تضبطه، وما مقدار الصلة بين هذا الخطاب وبين الواقع الفعلي الذي يعيشه الناس.
لقد عرف الإعلام في فترات سابقة أجيالًا من المحللين والكتاب الذين كانوا يتحدثون من أرضية معرفية واضحة، ومن تجربة حياتية ومهنية طويلة. لم يكن الظهور الإعلامي آنذاك هدفًا في ذاته، بل كان نتيجة طبيعية لمسار من المعرفة والتخصص والتراكم الفكري. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة في كثير من الأحيان، فأصبح الظهور المتكرر هو الذي يصنع صفة “الخبير”، لا العكس، وأصبح بعض الضيوف ينتقلون بين الملفات والقضايا كما ينتقل الممثل بين الأدوار، دون أن يكون لكل قضية عمقها المعرفي الذي يستحقه.
وهنا تتجلى المشكلة في صورة أخطر من مجرد سطحية في الرأي، لأنها تتحول تدريجيًا إلى تشويه لبنية الوعي العام. فالمجتمع حين يسمع تحليلات غير مؤسسة على معرفة دقيقة أو بيانات موثوقة، يبدأ في تلقي الواقع عبر مرآة مشوشة. ومع تكرار هذا النمط من الخطاب الإعلامي يصبح الضجيج بديلاً عن المعرفة، والانطباع بديلاً عن التحليل، والظهور بديلاً عن الخبرة الحقيقية.
والأمر في تقديري لا ينفصل عن طبيعة التحولات التي أصابت المجال الإعلامي نفسه. فالإعلام الذي كان يُفترض أن يكون أداة للتنوير أصبح في كثير من الأحيان أسيرًا لمعادلات السرعة والإثارة والسبق، وهي معادلات قد تدفع بعض المؤسسات إلى البحث عن الضيف السهل الحاضر دائمًا، لا عن المتخصص الذي يملك معرفة عميقة لكنه لا يلهث وراء الكاميرات.
غير أن المسؤولية هنا ليست مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل هي مسؤولية منظومة أوسع تشمل الجامعات ومراكز البحوث والنخب الثقافية. فحين يغيب الصوت العلمي الرصين أو ينسحب من المجال العام، تترك الساحة بطبيعتها لمن يجيدون الكلام أكثر مما يجيدون التفكير.
إن المجتمع المصري، بما يمتلكه من تاريخ ثقافي عريق وتجربة حضارية ممتدة، يستحق خطابًا إعلاميًا يرتقي إلى مستوى وعيه وتطلعاته. خطابًا يوازن بين حرية الرأي وبين المسؤولية المعرفية، ويُميز بوضوح بين من يتحدث بعلم ومن يتحدث بانطباع.
ولعل البداية الحقيقية لإصلاح هذا الخلل لا تكمن فقط في انتقاد الظاهرة، بل في إعادة الاعتبار لقيمة المعرفة نفسها. فالإعلام الجاد لا يقوم على كثرة المتحدثين، بل على جودة ما يُقال. ولا تُبنى الثقة بين المجتمع ووسائل الإعلام إلا حين يشعر المواطن أن ما يُقدَّم له من تحليل أو تفسير يستند إلى فهم حقيقي للواقع، لا إلى اجتهادات عابرة أو حضور شكلي على الشاشات.
وفي النهاية تبقى الحقيقة البسيطة التي لا يختلف عليها العقلاء أن احترام عقل المواطن هو حجر الأساس لأي خطاب عام. فإذا فقد الإعلام هذا الاحترام فقد أهم ما يملكه من شرعية وتأثير، أما إذا استعاد ميزان المعرفة والمسؤولية فإنه يستطيع أن يعود إلى دوره الطبيعي كمنبر للتنوير لا كساحة للضجيج.
أحسنت بطرح هذا الموضوع فعليا تكرار ذات الشخصيات والتي في كثير من الأحيان تبث معلومات اقل ماتوصف بها معلومات ساذجة مبتورة مشوشة وأقرب لحكاوى المصاطب.
مزيد من التوجيه للإعلام ومن يقوم بالاستضافة لما يطلق عليهم ”خبير- اكاديمي-….،، وغيرها من ألقاب غير حقيقية تشوش فكر المتلقي ولاتضيف .
التحية والاحترام