بين الجوهري والطارئ في تفسير الظواهر الاجتماعية: إعادة النظر في مناهج التحليل السوسيولوجي

بقلم: أ.د.أشرف سليمان
أستاذ الاجتماع الريفي والتنمية الريفية بمركز البحوث الزراعية وأستاذ الأمن الغذائي والسياسات الزراعية بجامعة كيوتو باليابان سابقاً
ينبغي أن يركّز التحليل الاجتماعي على الجوهري والأساسي والمضطرد، لا على الطارئ والثانوي والفرعي. فالفهم الحقيقي للمجتمع لا يتحقق بالانشغال بالعوارض، بل بالبحث في البنى العميقة التي تولّد تلك العوارض، في حركة التاريخ والاقتصاد والثقافة والقيم. ولعلّ أبرز ما يعانيه الفكر الاجتماعي المعاصر هو هذا الخلط المربك — والمقصود أحياناً — بين المستويات المختلفة للظواهر، خلط يطمس الأسباب البنيوية ويضع محلّها تفسيرات سطحية أو نفسية أو إعلامية لا تمسّ الجوهر.
يميل الخطاب الاجتماعي، سواء في الإعلام أو السياسة أو حتى في بعض أوساط البحث الأكاديمي، إلى التعامل مع الظواهر كأنها حوادث طارئة يمكن احتواؤها بالتصريحات أو التوجيهات أو التدخّلات اللحظية. لكن الظواهر الاجتماعية في حقيقتها لا تنشأ فجأة، بل هي حصاد تراكم زمني طويل من علاقات الإنتاج والتوزيع والسلطة والثقافة. إنّها بنت التاريخ، لا بنت اللحظة.
ومن ثم فإنّ الخلط بين الفقر والإفقار، وبين النمو والتنمية، أو بين السلوك الفردي والبنية الاجتماعية، ليس مجرد خطأ تحليلي؛ بل هو تعبير عن فقدان البوصلة الفكرية في فهم المجتمع. كثيرًا ما يُقدَّم الفقر مثلاً بوصفه حالة من العجز أو القصور الفردي، وكأنّ ملايين البشر اختاروا مصيرهم بمحض إرادتهم، بينما تتجسد الحقيقة في أنها أثر مباشر لسياسات اقتصادية وثقافية تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والاستغلال بأشكال جديدة. يُعد الفقر نتيجة الإفقار، أي لعملية تاريخية تخلق الحرمان وتعمل على تجذيره واستدامته.
وكذلك «النمو» الاقتصادي لا يعني بالضرورة «تنمية» إنسانية متوازنة، لأنّ النمو قد يتحقق في الأرقام بينما تنكمش العدالة، وتُهمّش فئات اجتماعية بأكملها، وتصبح التنمية المستدامة خرافة!
وهكذا يغدو التحليل الاجتماعي في كثير من الأحيان شكلاً من أشكال التمويه الواعي، لا لإماطة اللثام عن الحقائق بل لإخفائها، عبر نقل الأنظار من البنى إلى الأفراد، ومن الأسباب إلى النتائج، ومن التناقضات إلى المؤشرات.
إنّ تفسير البطالة مثلاً على أنها «نقص في الكفاءات» أو «سوء اختيار وظيفي» إنما يُخفي كونها ظاهرة ناتجة عن طبيعة بنية السوق ذاتها وعن السياسات النيوليبرالية التي تحوّل العمال إلى فائض قابل للاستبدال الدائم.
التحليل الاجتماعي الحقيقي هو الذي يبحث عن المضطرد وسط المتحوّل، وعن البنية خلف الحدث، وعن الضرورة بين الاحتمالات. لأنّ الظواهر الاجتماعية أشبه بالجبل الجليدي؛ ما يظهر للعين ليس سوى قمّته الصغيرة، أما الكتلة الكبرى فتغوص في عمق التاريخ والاقتصاد والوعي الجمعي. ومَن يحاول فهم المجتمع من سطحه يشبه من يدرس الأعراض دون تشخيص المرض.
لقد ساهمت النزعة الوضعية الحديثة (التي فصلت العلم عن التاريخ والقيمة) في تهميش البعد البنيوي في علم الاجتماع. فمع صعود المدرسة الوظيفية، جرى النظر إلى المجتمع بوصفه نسقًا يسعى للتوازن والتكامل بين أجزائه، بينما تجاهلت تلك المقاربة التناقضات والصراعات التي تشكّل حركة التاريخ. وهكذا أصبح التحليل الاجتماعي أقرب إلى علم إدارة الأزمات منه إلى علم فهم المجتمع، فالبحث لم يعد يبحث عن الأسباب الجذرية، بل عن «كيفية التعاطي مع النتائج».
لقد أفضى ضعف التحليل البنيوي إلى جعل علم الاجتماع أقرب إلى علم النفس الاجتماعي، حيث تتركز التفسيرات على السمات الشخصية والميول النفسية للأفراد؛ ومن هنا أخذت المفاهيم السوسيولوجية تفقد معناها الطبقي والتاريخي: الفقر صار «ضعفًا في المهارة»، والعنف «حالة غضب»، والاغتراب «اكتئابًا فرديًا»، والمجتمع «مجموعة أفراد متفاعلين». هذا التحريف المفهومي نقل مركز التحليل من البنية إلى الذات، ومن الصراع إلى التكيف، ومن التغيير إلى التوافق.
بيد أن الظواهر الاجتماعية لا تُفهم بمعزل عن سياقها التاريخي والبنيوي. فالفهم العميق للعنف مثلاً لا يبدأ من تحليل انفعال الفرد، بل من فهم نظام القهر الاجتماعي الذي يخلق بيئات العنف — في الفقر، والاستغلال، والتهميش، والشعور باللاجدوى. وكذلك لا يمكن فهم الهجرة فقط على أنها خيار شخصي أو بحث عن فرص، بل على أنها حصيلة لتوزيع غير عادل للثروة والفرص والسلطة على مستوى العالم: بين مركز يملك المعرفة والتكنولوجيا، وأطراف تُستنزف مواردها البشرية والمادية.
إنّ التمييز بين الجوهري والطارئ هو في جوهره فعل نقدي وفعل أخلاقي في الوقت ذاته؛ فالباحث أو المثقف الذي يقف عند الظواهر السطحية ويرفض الغوص في عمقها البنيوي، إنما يساهم بوعي أو بغير وعي في تكريسها. أمّا الذي ينفذ إلى لبّها فيضيء جذورها الاقتصادية والسياسية والثقافية فهو من يمارس العلم والفكر معاً في أعمق معانيهما. فالمعرفة التي لا تكشف بنية السلطة ولا تطرح السؤال عن العدالة ليست معرفة، بل خطاب تبريري باسم العلم.
تاريخ علم الاجتماع نفسه كان دائماً ساحة صراع بين تيارين: الأول تيار إصلاحي يسعى إلى التكيف مع الموجود، والثاني تيار نقدي جدلي يسعى إلى فهم الشروط التاريخية التي أوجدت الظواهر لتغييرها. فبينما ركّز دوركايم على انتظام النسق الاجتماعي ووظائفه، رأى ماركس أنّ التناقضات الطبقية داخل البناء الاقتصادي هي محرّك التاريخ؛ أما فيبر فقد نبّه إلى أن المعنى الذاتي للفعل الاجتماعي لا ينفصل عن البنية القيمية التي تشكّل الثقافة. هذه التوجهات جميعها تؤكد أنّ الظواهر لا تُفهم من داخلها فقط، بل من شبكات العلاقات التي تنتمي إليها.
وعلى التحليل النقدي المعاصر اليوم أن يُعطى المكانة لهذا المنظور الجدلي الذي يرى الظواهر محصلة لصراعات القوى والمصالح والقيم، لا على أنها وقائع عفوية أو «طبيعية». فهنا تكمن خطورة ما يسمّى بـ «الخطاب الموضوعي المحايد» الذي يُقدَّم على أنه خطاب علمي، في حين أنه يخفي خلف حياده الوهمي انحيازًا لمنظومة السلطة السائدة. فالتحليل الذي لا يسمّي الفاعلين الحقيقيين في الظاهرة ولا يحدّد مصالحهم هو تحليل ناقص، مهما بلغ من دقة الشكل والمنهج.
ومن الطريف والمحزن في الوقت ذاته أنّ كثيراً من الدراسات الاجتماعية الراهنة تحوّلت إلى نماذج إحصائية جافة تُرضي المؤسسات المانحة أكثر مما تتعاطى مع الواقع؛ إذ تُختزل الظواهر في جداول واستبيانات، وتغيب عنها الأسئلة الكبرى: من يملك؟ من يُقصى؟ من ينتفع؟ ومن يدفع الثمن؟ فالتحليل الكمي، رغم ضرورته المنهجية، لا يفسّر شيئاً بمفرده. قد يصف لنا كمّ البطالة، لكنه يعجز عن تفسير لماذا توجد فئة بطالة أصلًا، وما الذي يجعلها تتسع أو تنكمش تبعًا لعلاقات الإنتاج والسياسة.
يجب أن يرتكز التحليل الاجتماعي الحقيقي في التشخيص والتفكيك في الوقت ذاته؛ بحيث يكون تشخيصاً للأعراض البادية، وتفكيكًا للبنى المنتجة لها؛ وبهذا المعنى، لا يكون علم الاجتماع علم الظواهر فحسب، بل علم العلاقات والعمليات. والظواهر الاجتماعية ليست كيانات قائمة بذاتها، بل عمليات حية تتشكل باستمرار في تفاعلٍ بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والوعي.
وهنا تبرز أهمية مفهوم الوعي الاجتماعي. فالمجتمع لا يُنتج ظواهره المادية فحسب، بل يُنتج معها أشكال وعي تبرّرها أو تعيد إنتاجها. إن الأيديولوجيا ليست مجرد أفكار تهيمن على العقول، بل هي أيضًا أنماط من الإدراك اليومي تحدد ما يُرى وما يُخفى، وما يُسائل وما يُسلّم به بوصفه «طبيعيًّا». فحين يتحوّل الفقر إلى «قدر»، أو الاستغلال إلى «كفاءة»، أو التفاوت إلى «حرية»، نكون أمام آليات ذهنية تُعيد شرعنة اللامساواة باسم المفاهيم المجرّدة.
وتأسيساً على ما سبق، لا يمكن للتحليل الاجتماعي أن يظل محايداً بين القهر والعدالة، لأنّ الحياد في هذه المسائل اصطفاف ضمني. الباحث الاجتماعي ليس مراقباً خارجياً بل عضو في المجتمع الذي يدرسه، ومن ثمّ فكل تحليل هو اختيار لموقع أخلاقي قبل أن يكون منهجياً. فإما أن يكون العلم في خدمة الإنسان، أو يُستخدم لتبرير ما يُسلب منه.
إن المجتمعات لا تتطور إلا حين تمتلك شجاعة النظر إلى ذاتها من الداخل، واستعدادها لمساءلة مسلماتها. والتحليل الاجتماعي هو أداة هذه المساءلة. فالتحليل الذي يتعامل مع الواقع وكأنه مكتمل ونهائي يفقد قدرته على التغيير. أما التحليل الذي يرى الواقع بوصفه عملية تاريخية زمانية، فإنه يتيح فهماً أعمق للظواهر بوصفها ممكنات اجتماعية قابلة للحدوث والفقد.
وفي هذا السياق، غني عن البيان أن الدعوة إلى التركيز على الجوهري لا تعني إهمال التفاصيل، بل قراءتها داخل بنيتها الكلية. فالتفصيل هو ما يكشف الملموس عن العام، وما يضيء التجربة الفردية في ضوء البنية الجمعية. الفرق فقط في الاتجاه: من السطح نحو العمق، لا العكس.
ولعلّ الحاجة اليوم ماسة إلى استعادة الحس التاريخي في علم الاجتماع العربي خصوصاً. إذ كيف يمكن أن نحلّل ظواهر مثل الفقر أو التهميش أو الاغتراب، إذا عزلناها عن تاريخ الدولة الوطنية، وعن تحولات الاقتصاد الريعي، وعن إعادة تشكّل الطبقات الاجتماعية في ظل العولمة والتبعية الاقتصادية؟ إنّ الظاهرة لا توجد في فراغ، بل في سياقات محددة تفرضها علاقات القوة المادية والرمزية.
ولا يُمكن فهم التحليل الاجتماعي خارج أفقه الإنساني. فكل قراءة للمجتمع دون استحضار البعد الإنساني تتحول إلى علم تقني بارد. لذلك فإنّ جوهر المهمة السوسيولوجية هو إعادة بناء الإنسان في وعيه وعلاقاته ومصيره الجمعي، لا الاكتفاء برسم خرائط الظواهر. فالغاية ليست فقط «أن نعرف»، بل «أن نفهم لنغيّر».
إن المجتمع، في نهاية المطاف، ليس كياناً متجانساً ساكناً، بل منظومة ديناميكية من القوى والتوجهات والمصالح. وإذا كان التحليل الاجتماعي لا يملك شجاعة النظر في هذه التناقضات وتحديد محركاتها، فإنه يصبح تكراراً للخطاب السائد لا نقداً له. فوظيفة الفكر ليست أن يعيد إنتاج الواقع بل أن يكشف منطقه الداخلي ويقترح بدائل لرؤيته.
إن تمييز الجوهري من الطارئ – في تقديري – هو إذن شرط ممارسة علم الاجتماع بصفته فكراً نقدياً حياً؛ فبه وحده نستطيع أن نعيد وصل ما انقطع بين النظرية والتاريخ، بين القيم والعلاقات، بين الإنسان والعالم. فالتحليل الذي يكتفي بالملاحظة السطحية إنما يعيد إنتاج العمى الاجتماعي نفسه، أما التحليل الذي يسعى إلى الجوهر فهو الذي يضيء ما كان خفياً، ويحوّل العلم إلى وعي، والمعرفة إلى فعل.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



