رئيس التحرير

أفيقوا يا مسؤولي الإذاعة المصرية قبل فوات الأوان

بقلم: د.أسامة بدير

في لحظات الفجر الأولى، حين يسكن الضجيج وتصفو النفوس، يتجه المستمع إلى أثير الإذاعة باحثًا عن السكينة، عن كلمة طيبة تُطمئن قلبه، وعن صوتٍ يحمل من روحانية اللحظة ما يليق بها. إنها ليست مجرد دقائق عابرة في جدول البث، بل مساحة مقدسة يتشكل فيها الوعي، وتُبنى فيها علاقة الناس بالدين، وتُصاغ فيها مفاهيمهم عن الإرشاد والوعظ.

ومن هنا فالتساؤل المشروع: لماذا تصر الإذاعة المصرية، ممثلة في قياداتها وعلى رأسهم رئيس الإذاعة، على إسناد تقديم شعائر صلاة الفجر – وكذلك صلاة الجمعة – إلى مذيعين من الإذاعة العامة – إذاعة البرنامج العام- في حين تمتلك الدولة كنزاً بشرياً متخصصاً داخل إذاعة القرآن الكريم؟

إذاعة القرآن الكريم ليست مجرد محطة، بل مدرسة متكاملة، أُنشئت لتخريج أصوات تعرف قيمة الكلمة، وتُدرك خطورة المعنى، وتُجيد مخاطبة الروح قبل الأذن. مذيعوها ليسوا فقط قارئين لنصوص مكتوبة، بل مؤهلون علمياً وثقافياً للتعامل مع النص الديني، قادرون على الربط الواعي، والتقديم الرشيد، والنصح القائم على فهمٍ لا على مجرد قراءة.

في المقابل، حين يُكلف مذيع من الإذاعة العامة – مهما بلغت كفاءته المهنية – بتقديم شعائر دينية، فإننا نكون أمام خلل واضح في توزيع الأدوار. فالمسألة ليست قراءة ورقة أُعدت سلفاً، بل أداء رسالة. هناك فارق كبير بين من يؤدي نصاً، ومن يحمل مضموناً.

الأمر لا يتعلق بالتقليل من شأن مذيعي البرنامج العام، فهم أصحاب خبرات كبيرة في مجالاتهم، لكن لكل مجال أدواته ورجاله. كما لا يمكن أن نطلب من طبيبٍ أن يؤدي دور مهندس، لا ينبغي أن نُحمّل مذيعاً غير متخصص مسؤولية التوجيه الديني، خاصة في لحظات حساسة كصلاة الفجر أو خطبة الجمعة.

الأخطر من ذلك، أن هذا الخلط قد يُحدث نوعاً من الارتباك لدى المستمع. كيف لمن يقدم برامج ترفيهية أو فقرات عامة لا علاقة لها بالدين، أن يتحول فجأة إلى ناصح ومرشد ديني؟ أليس في ذلك ما قد يضعف من مصداقية الخطاب ذاته؟ أو يُحدث – ولو بشكل غير مباشر – تداخلاً غير محمود بين ما هو ديني وما هو عام؟

إن الإصرار على هذا النهج يفتح الباب لتساؤلات أكبر: هل هو تجاهل للكفاءات الموجودة في إذاعة القرآن الكريم؟ أم سوء تقدير لطبيعة الرسالة الإعلامية الدينية؟ أم مجرد روتين إداري لا يُراجع نفسه؟

في كل الأحوال، النتيجة واحدة: إهدار للمتخصص، وتكليف لغير المتخصص، على حساب وعي المستمع وثقته.

رسالتي هنا ليست هجوماً، بل دعوة للمراجعة. دعوة لأن يعود كل شيء إلى نصابه، وأن تُسند المهام لأهلها، وأن يُحترم عقل المستمع الذي يدرك جيداً الفارق بين الصوت الذي ينقل المعلومة، والصوت الذي يحمل الرسالة.

وفي الختام، أفيقوا يا مسؤولي الإذاعة… فالكلمة أمانة، والمنبر مسؤولية، وصوت الفجر ليس مساحة للتجربة أو المجاملة. أعيدوا الأمور إلى أهلها، قبل أن تفقد الكلمة وزنها، ويضيع أثرها، ويبحث المستمع عن صدقٍ لم يجده حيث كان ينتظره.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى