رأى

الإرشاد الزراعي … السلاح المنسي في معركة الأمن الغذائي

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية

لا يمكن الحديث عن مستقبل الريف العربي أو أي تحول حقيقي فيه دون التوقف طويلًا أمام خدمات الإرشاد الزراعي، ذلك الجهاز الذي يشبه القلب النابض داخل جسد التنمية الزراعية والريفية. فمن خلاله تعبر المعرفة من المختبرات والمراكز البحثية إلى الحقول، ومن خلاله تُترجم الخطط الوطنية إلى واقع ملموس في قُرى ونجوع تنتظر الأمل.

الإرشاد الزراعي في جوهره ليس مجرد موظف يزور المزارع ليعطيه نصيحة عابرة حول ميعاد الري أو كمية السماد، بل هو منظومة تنموية متكاملة، تعكس العلاقة بين العلم والممارسة، بين المدينة والريف، وبين التخطيط الاستراتيجي واحتياجات الفلاح اليومية.

الإرشاد الزراعي… القلب الغائب في معادلة التحول الريفي العربي

حين نتحدث عن التحول الريفي العربي، كثيرًا ما تتجه الأنظار إلى الخطط الاستثمارية، والمشروعات الكبرى، والسياسات الزراعية المعلنة. غير أن هناك قلبًا غائبًا عن هذه المعادلة، قلبًا لو توقف عن النبض لانقطع شريان النهضة من جذوره… إنه الإرشاد الزراعي.

فهو ليس خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، بل هو العقل الموجّه، والبوصلة التي تحدد للفلاح طريقه في زمن تتشابك فيه التحديات المناخية والاقتصادية والتكنولوجية. من دونه يتحول الريف إلى جسد بلا روح، يتخبط بين اجتهادات فردية وخسائر متكررة، بينما بوجوده يمكن أن يصبح الفلاح شريكًا واعيًا في صناعة الغذاء والاقتصاد.
الإرشاد الزراعي إذن ليس مجرد وظيفة، بل هو رسالة تحمل في طياتها مستقبل الريف العربي، ومعها مستقبل أمننا الغذائي وعدالتنا الاجتماعية.

أولاً: لماذا هو القلب النابض للتحول الريفي؟

1– نقل المعرفة العلمية

إن أخطر ما يواجه الزراعة العربية اليوم ليس فقط ندرة المياه أو محدودية الأراضي، بل الفجوة المعرفية بين ما يتوصل إليه الباحثون في المعامل، وما يطبقه المزارع في الحقل.

الإرشاد الزراعي هنا يقوم بدور “المترجم” بين لغتين مختلفتين: لغة الباحث المليئة بالمصطلحات والتجارب العلمية، ولغة الفلاح البسيطة التي تنطلق من الخبرة المباشرة في الأرض. من دون هذا الجسر، تبقى نتائج البحوث الأكاديمية حبيسة المجلات العلمية، بينما يظل الفلاح أسير الطرق التقليدية.

فحين يصل العلم إلى يد الفلاح عبر الإرشاد، يتحول إلى قوة إنتاجية ملموسة: أصناف محسنة تتحمل الحرارة والملوحة، طرق ري حديثة توفر نصف استهلاك المياه، أو معاملات تسميد دقيقة تقلل الكلفة وتزيد الإنتاج.

2– التمكين الاقتصادي والاجتماعي

لا يمكن للريف أن يتحول دون أن تتحول الزراعة نفسها من نشاط معيشي محدود إلى نشاط اقتصادي متكامل. هنا يأتي دور الإرشاد الزراعي في فتح الأبواب أمام الفلاح:

–  تدريبه على إدارة مشروعات صغيرة مرتبطة بالزراعة مثل التصنيع الغذائي.

–  ربطه بالتعاونيات التي تمنحه قوة تفاوضية في مواجهة التجار.

–  تعريفه بآليات السوق الحديثة مثل الزراعة التعاقدية.

–  مساعدته على تنويع مصادر دخله بحيث لا يظل رهين محصول واحد وموسم واحد.

الإرشاد بهذا المعنى لا يرفع الإنتاج فقط، بل يعيد صياغة علاقة المزارع بالاقتصاد والمجتمع. المزارع يصبح منتجًا فاعلًا لا مجرد تابع، والريف يتحول من منطقة طاردة للفقراء إلى منطقة جاذبة للاستثمار والعمل.

3– تعزيز العدالة المعرفية

المعرفة إذا بقيت في حرم الجامعات والمراكز البحثية فهي نوع من “الترف الأكاديمي”، لا يستفيد منها سوى الباحثين أنفسهم. لكن حين تُنقل هذه المعرفة إلى القرى عبر الإرشاد الزراعي، تتحول إلى عدالة معرفية تعطي لكل مزارع فرصة متساوية للوصول إلى العلم.

هذه العدالة تخلق بدورها توازنًا اجتماعيًا بين الريف والمدينة. فحين يمتلك الفلاح أدوات حديثة، لا يشعر أنه أقل شأنًا من ابن المدينة، بل يصبح شريكًا في التنمية الوطنية. وهنا يكمن جوهر العدالة: أن يُتاح للجميع الحق في المعرفة التي تُمكِّنهم من تحسين حياتهم.

4– حماية الأمن الغذائي

الأمن الغذائي ليس مجرد شعار سياسي، بل قضية سيادة وطنية. فالدول التي تستورد غذاءها بشكل مفرط تضع رقبتها في يد الآخرين.

الإرشاد الزراعي يلعب الدور المركزي هنا، لأنه يرفع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية (كالقمح، الذرة، الأرز) عبر إدخال تقنيات محسنة. كل زيادة في الإنتاج المحلي، حتى لو كانت بنسبة 10 أو 20%، تترجم إلى مليارات الدولارات التي توفرها الدولة من فاتورة الاستيراد.

وبذلك يصبح الإرشاد الزراعي خط الدفاع الأول عن السيادة الغذائية، فلا تبقى الأمة رهينة تقلبات الأسواق العالمية أو سياسات الدول المصدِّرة.

5– إحياء البعد الثقافي والاجتماعي

الزراعة ليست فقط إنتاج محاصيل، بل هي ثقافة متكاملة. الإرشاد الزراعي يعيد الاعتبار لهذا البعد من خلال:

–  إشراك المرأة الريفية في برامج التصنيع الغذائي والإنتاج المنزلي، مما يعزز دورها في الأسرة والمجتمع.

–  تشجيع الشباب على دخول الزراعة الحديثة كفرصة عمل، بدلًا من الهجرة إلى المدن الكبرى أو الخارج.

–  إعادة صياغة نظرة المجتمع للزراعة من كونها مهنة متعبة وبدائية، إلى كونها صناعة متطورة تقوم على   العلم والتكنولوجيا.

هنا يتحول الإرشاد الزراعي إلى مشروع ثقافي بقدر ما هو مشروع اقتصادي. فهو يعيد للريف اعتباره كمصدر للقيم والإنتاج والهوية، ويجعل أبناءه فخورين بانتمائهم إليه، بدلًا من النظر إليه كعبء أو منطقة مهملة.

ثانياً: واقعنا العربي المؤسف

رغم كل ما قيل عن أهمية الإرشاد الزراعي في منطقتنا العربية باعتباره العمود الفقري للتحول الريفي، إلا أن واقع الحال في معظم بلداننا العربية يبدو على النقيض تمامًا: نقص في عدد المرشدين، ضعف التدريب المستمر، غياب الحوافز، وانفصال شبه كامل عن المراكز البحثية. بعض الدول حولت الإرشاد إلى وظيفة روتينية، لا أثر لها في تطوير الإنتاج أو تغيير عقلية المزارعين. وفي كثير من الأحيان يجد الفلاح نفسه وحيدًا، يعتمد على خبرته التقليدية، أو على تجار الأسمدة والبذور الذين لا يرشدونه بقدر ما يسوّقون له.

1- نقص فادح في عدد المرشدين الزراعيين

في كثير من البلدان العربية، تجد أن المرشد الزراعي الواحد مسؤول عن عشرات القرى وآلاف المزارعين. كيف يمكن لشخص واحد أن يزور كل هؤلاء، ويتابع مشاكلهم، ويعطيهم النصائح في الوقت المناسب؟ النتيجة الطبيعية أن المزارع لا يرى المرشد إلا نادرًا، وربما في مواسم معينة، وغالبًا تكون الزيارة شكلية لا تترك أثرًا حقيقيًا.

2- ضعف التدريب والتأهيل المستمر

كثير من المرشدين الزراعيين الذين التحقوا بالوظيفة منذ عقود لم يحصلوا على برامج تدريبية حديثة تُحدث معلوماتهم أو تطور مهاراتهم. ومع دخول تقنيات جديدة في الزراعة (كالزراعة الذكية، والطاقة الشمسية في الري، والتقنيات الحيوية)، نجد أن المرشد نفسه يجهل هذه الأدوات أو يعرف عنها معرفة سطحية. كيف له إذن أن ينقل العلم إلى المزارع وهو لم يتلقَّ هو نفسه تدريبًا كافيًا؟

3- غياب الحوافز وضعف المكانة الاجتماعية

الإرشاد الزراعي في بلداننا العربية غالبًا وظيفة حكومية ذات راتب محدود، بلا حوافز مادية أو معنوية. كثير من المرشدين ينظرون إلى عملهم كوظيفة روتينية تنتهي بتوقيع الحضور والانصراف، لا كمهمة وطنية مقدسة. بل إن مكانة المرشد في المجتمع الريفي ضعيفة مقارنة بتجار الأسمدة أو الوسطاء، الذين يمتلكون المال والنفوذ. وبهذا تضيع هيبة المرشد، ويفقد الفلاح الثقة فيه.

4- انفصال شبه كامل عن المراكز البحثية

الباحث يعمل في صوامع مغلقة داخل المراكز البحثية، بينما المرشد يعمل وحده في الحقول، والفجوة بين الاثنين واسعة. غياب هذه العلاقة يعني أن المزارع لا يحصل على المعرفة الأحدث، بل يظل يعتمد على خبراته التقليدية أو على نصائح التجار الذين يُملون عليه ما يشتري. وهكذا تضيع الحلقة الذهبية التي تربط البحث العلمي بالزراعة التطبيقية.

5- البيروقراطية وتحويل الإرشاد إلى وظيفة روتينية

في بعض الدول، أصبح الإرشاد الزراعي جهازًا بيروقراطيًا يتعامل مع المزارع كرقم في سجلاته. تتحول زيارات المرشد إلى مجرد إجراءات مكتبية، كتعبئة استمارة أو توقيع حضور في قرية معينة. لا توجد متابعة جدية، ولا ابتكار في طرق التواصل، ولا شغف بالتأثير على سلوك المزارع. النتيجة أن الفلاح لم يعد يثق بالمرشد، وينظر إليه على أنه موظف يؤدي واجبًا شكليًا.

6- اعتماد الفلاح على نفسه أو على التجار

أمام هذا الفراغ، يجد الفلاح نفسه وحيدًا في مواجهة مشاكله: كيف يروي أرضه في ظل الجفاف؟ كيف يحمي محصوله من آفة جديدة؟ كيف يختار البذور والأسمدة المناسبة؟

غالبًا يلجأ إلى التجار، الذين يقدمون له “نصائح” مرتبطة بمصالحهم التجارية: شراء هذا السماد لأنه يدر ربحًا أكبر لهم، أو هذه البذور لأنها مرتبطة بعقود بيع. وهكذا يتحول الإرشاد الزراعي الحقيقي إلى إرشاد تجاري مسيطر، يضاعف أعباء الفلاح بدلاً من أن يخففها.

7- انعكاسات الواقع المأساوي

–  تراجع الإنتاجية الزراعية، رغم الإمكانات المتاحة.

–  زيادة الفجوة بين البحث العلمي والواقع العملي.

–  ضعف مساهمة الشباب والمرأة في التنمية الريفية.

– استمرار الريف كمجرد هامش اقتصادي، بدلًا من أن يكون قاعدة تنموية.

 باختصار، يمكن القول إن واقع الإرشاد الزراعي العربي اليوم يشبه جسدًا بلا روح: موجود كهيكل إداري على الورق، لكنه عاجز عن القيام بمهمته التاريخية. وهذا ما يجعل المزارع في منطقتنا يواجه تحدياته بمفرده، في الوقت الذي تتحرك فيه دول أخرى بسرعة نحو الإرشاد الرقمي والمدارس الحقلية والشراكات البحثية.

ثالثاً:  ملامح خارطة الطريق للإرشاد الزراعي العربي

التحول الريفي لن يتحقق بخطابات سياسية أو شعارات عن “التنمية المستدامة”، بل يحتاج إلى إعادة بناء الإرشاد الزراعي على أسس عصرية تُعيد له الدور الريادي الذي فقده. فالمزارع العربي لم يعد ذلك الفلاح البسيط الذي يكتفي بطرق تقليدية، بل أصبح يواجه اليوم تحديات معقدة: تغيّر المناخ، تقلب الأسواق، شحّ المياه، وضغوط المنافسة العالمية. لذلك، لا بد أن يتحول الإرشاد الزراعي إلى مؤسسة ديناميكية قادرة على التكيّف والابتكار.

1- إدماج التكنولوجيا الرقمية

لم يعد الإرشاد الزراعي التقليدي قادرًا على مواكبة سرعة التغيرات. هنا تأتي الرقمنة كحجر زاوية. فالهاتف المحمول في جيب الفلاح يمكن أن يتحول إلى مركز استشارات متكامل: رسائل نصية يومية بالطقس، توصيات بالجرعات السمادية، مقاطع فيديو تشرح مكافحة الآفات، وتطبيقات ذكية تربطه مباشرة بالمرشد أو بالباحث. إن رقمنة الإرشاد ستختصر المسافات، وتوفر الوقت، وتضمن وصول المعلومة في لحظتها الحرجة حيث يتخذ المزارع قراراته.

2- ربط المرشد الزراعي بالباحثين عبر شبكات معرفية حية

من أكبر إخفاقات منظومتنا أن الباحث يعمل بمعزل عن الفلاح، بينما المرشد في وادٍ آخر. لا بد من خلق شبكة معرفية حيّة تربط الثلاثة معًا: الباحث ← المرشد ← المزارع. هذه الشبكة يجب أن تكون ديناميكية، بحيث يزوّد الباحث المرشد بأحدث النتائج، ويقوم المرشد بنقل ملاحظات الحقول إلى الباحث. بهذه الطريقة تتحول الأبحاث من “مجلدات على الرفوف” إلى حلول عملية في الحقول.

3- تفعيل الإعلام الريفي

في عصر الإعلام الجماهيري، ما زال الريف يُخاطب أحيانًا بوسائل بدائية. المطلوب إعلام ريفي حديث: برامج تلفزيونية وإذاعية موجهة للفلاحين، قنوات يوتيوب متخصصة، مقاطع قصيرة على “واتساب” و”فيسبوك”، وحتى مسلسلات قصيرة تُبَث عبر الراديو أو الإنترنت لتبسيط المعلومة الزراعية. الإعلام الريفي ليس ترفًا، بل هو وسيلة لإعادة الاعتبار للفلاح وثقافة الزراعة، وتكوين وعي جمعي بأن الزراعة صناعة وليست مجرد مهنة.

4- تحفيز الشباب على الانخراط في العمل الإرشادي

واقع الإرشاد العربي يعاني شيخوخة واضحة. الغالبية من المرشدين كبار في السن، يفتقدون أدوات التكنولوجيا الحديثة. نحن بحاجة إلى ضخ دماء جديدة: شباب متعلم، ملمّ بالتقنيات الرقمية، يجيد التواصل مع نظرائه من المزارعين الشباب. هذا التحفيز يتطلب برامج تدريبية، وحوافز مالية، وفرص عمل تجعل الإرشاد الزراعي مهنة مغرية ومحترمة، لا مجرد وظيفة حكومية باهتة.

5– ربط الإرشاد بالتمويل والأسواق

أحد أكبر مشكلات المزارع العربي أنه قد يُنتج جيدًا، لكنه يتعثر عند التسويق أو يجد نفسه تحت رحمة التجار. هنا يجب أن يُصبح الإرشاد الزراعي حلقة الوصل مع التمويل الصغير والتعاقدات التسويقية. المرشد لا يعلّم المزارع فقط كيف يزرع، بل يرشده إلى كيفية الوصول إلى السوق، أو الانضمام إلى تعاونية قوية، أو الحصول على قرض صغير آمن. الإرشاد يجب أن يتحول إلى حزمة متكاملة تربط بين: المعرفة – الإنتاج – التمويل – التسويق.

6- المدارس الحقلية للمزارعين (Farmer Field Schools)

من أنجح الابتكارات الإرشادية التي أثبتت فعاليتها عالميًا تجربة “المدارس الحقلية”، وهي ببساطة تحويل الحقل نفسه إلى قاعة تعليمية مفتوحة. يجتمع المزارعون مع المرشد في الموسم الزراعي، يتعلمون عمليًا من خلال الممارسة، يناقشون المشكلات، ويقارنون بين المعاملات الزراعية المختلفة. هذه الطريقة لا تعطي المزارع معلومة جاهزة فقط، بل تجعله شريكًا في إنتاج المعرفة. التوسع في المدارس الحقلية في الدول العربية سيحدث ثورة صامتة في وعي الفلاحين، وسيجعلهم أكثر قدرة على الابتكار وحل المشكلات بأنفسهم.

دروس من تجارب ناجحة

حين ننظر إلى واقعنا العربي المترهل في الإرشاد الزراعي، ونتأمل ما أنجزته دول أخرى، ندرك حجم الفجوة ومرارة المقارنة. الهند مثلًا، برغم أعداد سكانها الهائلة وفقر الكثير من قراها، استطاعت أن تحول الهاتف المحمول إلى “مرشد زراعي” دائم. أطلقت منصات مثل e-Choupal، فأصبح المزارع الصغير يعرف أسعار السوق لحظة بلحظة، ويتلقى الإرشادات التقنية مباشرة من الخبراء، دون أن يضطر لانتظار موظف يزور قريته مرة في العام. النتيجة؟ وعي أكبر، إنتاج أفضل، ودخل أعلى للفلاح البسيط.

وفي أقصى الغرب، في البرازيل، قرروا منذ السبعينيات أن لا يظل البحث العلمي حبيس المختبرات. أنشأوا مؤسسة إمبراپا (EMBRAPA ، لتكون جسرًا حيًّا بين العلماء والمزارعين. أي فكرة جديدة، أي صنف بذور مطور، أي تقنية ري مبتكرة، لا تبقى ورقًا منشورًا في مجلة أكاديمية، بل تُجرب في الحقول جنبًا إلى جنب مع الفلاحين. وهكذا تحولت البرازيل، خلال جيل واحد فقط، من بلد يستورد القمح والحبوب إلى عملاق زراعي يصدّر الغذاء إلى العالم.

أما المغرب، فقدّم نموذجًا عربيًا ملهمًا عبر تجربة المدارس الحقلية. حيث يتعلم المزارعون داخل الحقول نفسها، يجرّبون بأيديهم، يرون بأعينهم الفرق بين الطرق التقليدية والتقنيات الحديثة. التعليم هنا لم يعد محاضرات جافة، بل تجربة حيّة تجعل الفلاح هو الباحث وهو المستفيد في آنٍ واحد.

هذه النماذج تطرح سؤالًا قاسيًا علينا: لماذا استطاعت الهند، والبرازيل، والمغرب أن تبني جسورًا حقيقية بين العلم والفلاح، بينما نحن ما زلنا ندور في حلقة مفرغة من الروتين والبيروقراطية؟ الجواب واضح: لأنهم آمنوا بأن الإرشاد الزراعي ليس رفاهية، بل هو قلب التنمية الريفية، بينما نحن لم نمنحه بعد المكانة التي يستحقها.

نداء إلى صُنّاع القرار

إن الإرشاد الزراعي ليس ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل هو القلب الذي يضخ الدم في شرايين التحول الريفي العربي. وإذا أردنا أن يكون ريفنا منبعًا للغذاء، وبيئةً للعدالة الاجتماعية، ورافعةً للاقتصاد الوطني، فلا بد أن نعيد لهذا القلب نبضه.

أيها السادة صُنّاع القرار، وأيها المجتمع الذي ينتظر خبزه اليومي، لنقلها بصراحة: إن تجاهل الإرشاد الزراعي هو جريمة في حق الريف، وفي حق مستقبل أوطاننا. فكيف نطالب الفلاح أن يُطوّر إنتاجه، وأن يحافظ على أرضه ومياهه، وهو محروم من أبسط أدوات المعرفة والإرشاد؟ كيف نتحدث عن خطط تنمية طموحة بينما القلب الذي يجب أن يضخ الحياة في هذه الخطط ما زال ضعيفًا ومتروكًا للنسيان؟

إن الأمن الغذائي لا يُبنى بالشعارات ولا بالمؤتمرات وحدها، بل يبدأ من المزارع الصغير في قريته، حين يجد مرشدًا يوجهه، وخبيرًا يسانده، ومؤسسة تُتابعه. إذا كنّا جادين في مواجهة التحديات، فعلينا أن نضع الإرشاد الزراعي في مقدمة الأولويات، لا في ذيلها.

أيها المسؤولون: القرار بأيديكم اليوم، إمّا أن تمنحوا الريف قلبًا نابضًا يعيد له الحياة، وإمّا أن تتحملوا وزر جسدٍ واهنٍ يتداعى تحت أعينكم. وأيها المجتمع: لا تنتظروا الخبز من أرضٍ بلا علم، ولا غذاء من حقلٍ بلا إرشاد. فلنرفع الصوت عاليًا: أعيدوا الحياة إلى الإرشاد الزراعي قبل أن نخسر أرضنا وكرامتنا معًا.

الوقت لم يعد في صالحنا… فلنُسرع في إعادة الحياة إلى هذا القلب قبل أن يضعف الجسد بأكمله.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. خالص الشكر والتقدير لكاتبة المقال فهو يعكس الفهم العميق للإرشاد الزراعي ودورة التنموي كما يعكس القدرة العالية في تحليل الواقع بصورة تكاملية تعكس الخبرة العملية والبصيرة التي تعكس رؤية واضحة تستطيع أن تعالج من خلال التشخيص السليم العميق الذي يمكن من وضع الحلول الواقعية باراز حقيقة انه ما لم يكن هناك ايمان ويقين بدور الإرشاد التنموي فيكون القصور متواجدا مما يعيق تحقيق الهدف بالكم والكيف المطلوب لتحقيق رغبات وطموحات الريفيين ٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى