آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / هل تعود الزراعة كداعم أساسي للاقتصاد القومي في ظل أزمة كورونا؟

هل تعود الزراعة كداعم أساسي للاقتصاد القومي في ظل أزمة كورونا؟

أ.د/علي إسماعيل

بقلم: أ.د/علي إسماعيل

أستاذ إدارة الأراضي والمياه ـ وكيل معهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة ـ مركز البحوث الزراعية

لاشك ان المتغيرات العالمية في ظل المستجدات الدولية التي تحدث الان بعد انتشار فيروس كورونا ربما يجعلنا ان نراجع السياسات الزراعية المرتبطة بالانتاج الزراعي واعادة النظر في في الدورة الزراعية والتركيب المحصولي لمحاولة الوصول بتركيب محصولي يسد جزء من الفجوة الغذائية وفي ظل نقص المعروض العالمي من الغذاء والتزام الدول بتوفير احتياجاتها الغذائية في المرتبة الاولي قبل تصدير منتجاتها نظرا لحالة التوتر العالمية وترقب الوضع لانتهاء هذة الازمة.

هل يمكن ان نري ونؤكد كما اشرنا سابقا في مقالات عديدة ان الزراعة بمثلثها الرئيسي وزوايا الارتكاز الثلاثة التي تمثل الانتاج النباتي والانتاج الحيواني والتصنيع الزراعي هما عصب التنمية الزراعية والانتاج الزراعي الذي يمثل  الناتج الزراعي 18% من الناتج القومي حاليا وقد كان في الستينات والسبعينات اكثر من 55% ما اطلق علي مصر في حينه ان مصر بلد زراعي، وكان القطن المصري واحد اهم محاور مصادر الدخل القومي المصري.

فهل يتغير المشهد وتتصدر الزراعة بؤرة الاهتمام لتصدر المشهد وتتحمل العبيء الاكبر في دوران عجلة الاقتصاد واعادة بناء الاقتصاد وتغطية حاجة البلاد من العملة الصعبة وتوفير السلع الغذائية الاساسية والضرورية للشعب المصري والدول العربية الشقيقة في ظل الازمة الدولية الحالية.

قد يظهر امامنا الان بشكل واضح ان الامن الغذائي المصري الذي ممكن ان توفرة الزراعة المصرية من خلال خطة قومية فعالة وناجزة قد تحقق الهدف المرجوة وتأمن الدولة المصرية مع تعطل او تباطيء معظم الانشطة الاخري التي تعتبر اهم روافد الاقتصاد المصري.

والايام القادمة ربما تحتاج سرعة اتخاذ التدابير القومية في اطار خطه عاجلة مرتبطة بما يحدث حولنا وبما ان العالم اصبح كتله ملتهبة اطار مهم وجوهري في ظل ما يحيط بالعالم من مخاطر بعد انتشار وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد19) الذي أصبح وباءا يجتاح العالم، ولا يميز بين جنس او لون  مما حزي بكثير من الدول بغلق حدودها وتوقف كثير من انشطتها التجارية والصناعية وقد تتغير معه خريطة العالم وربما يتعرض العالم الي اكبر ازمة اقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية لم يشهدها منذ عقود مضت.

ربما يحدث نقص في إمدادات الغذاء علي مستوي العالم وقد ترفع اسعار الحاصلات الزراعية بشكل غير مسبق نتيجة نقص معظم إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كـالقمح والذرة والسكر والشاي والزيوت والبن والالبان وغيرها من المنتجات الاساسية الضرورية.

فهل يمكن أن نعيد النظر والتفكير في الخريطة الزراعية الانتاجية والاستفادة من الموارد الحالية وتعظيم الاستفادة منها .. فقد تمتلك مصر  قاعدة من الموارد الطبيعية والخبرات البشرية بـالقطاع الزراعي وهما محور الارتكاز وعناصر القاعدة التي تبني رؤيا واضحه تساعد علي وضع وتبني مفهوم ملائم للتنمية الزراعية المستدامة ووضع خطه سريعة وعاجلة خلال الشهور القادمة بالاكتفاء الذاتي من بعض المحاصيل الاستراتيجية.

ومن اهم هذه السياسات الزراعية عودة خلط القمح والذرة لانتاج الخبز بنسبة 15 الي 20% فالانتاج من القمح يصل الي 9 ملاين طن وبالخلط مع 2 مليون طن ذرة شامية بيضاء ربما يسد جزء من الفجوة مرحليا لرغيف الخبز. فالحمد لله ان الازمة ظهرت مع الموسم الشتوي وقد ينتهي بحصاد محصول القمح بنسبة انتاج معقولة يجب ان يتم توريدها للدولة وبشكل الزامي وليس اختياري يتم خلطها مع الذرة الشامية البيضاء.

ويجب التوسع في مساحة الذرة الصفراء لتغطية فجوة الاستيراد التي تعدت 8 ملايين طن ربما لا يسهل استيرادها الموسم القادم وتوفيرها بالسوق المحلي للانتاج الحيواني وزيادة مساحة بنجر السكر لتغطية فجوة السكر وزيادة مساحة الأرز كمحصول صيفي لتوفير حاجة البلاد منه وتوفير مخزون استراتيجي والاهتمام بـالمحاصيل الزيتية في خطه عاجلة تساهم في تحقيق التوازن.

اعتقد ان التركيب المحصولي المناسب ربما اصبح امر حيوي وضروري لاحداث توازن محلي وزيادة معقولة بمستويات مناسبة تحقق الاكتفاء الذاتي لمعظم المحاصيل الاستراتيجية والزراعة تحت الاشجار البستانية كنظام تكثيف وتحميل محصولي لمعظم محاصيل الخضر والاهتمام بمشروع استنبات الشعير لتوفير الاعلاف الخضراء للانتاج الحيواني.

ولاشك أن الجهود العظيمة التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الخمس سنوات الماضية في مجال الانتاج الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية كان لها عظيم الاثر كجزء من المفهوم الاستراتيجي بعيد المدي وهو ما ظهر اثره الان بالسوق المحلي المصري، ولولا هذا البرنامج القومي الذي أوله الاهتمام لاصبح الامر اكثر صعوبة … تري ماذا كان الموقف؟؟

لو لم يكن هناك مشروع استصلاح مليون ونصف فدان مع مشروع 100 ألف صوبة الخاص بجهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة المصرية التي تعادل انتاج مليون فدان ومشروع المزارع السمكية وتنمية البحيرات ومشروع الانتاج الحيواني والتي تنفذها القوات المسلحة المصرية من خلال رؤيا بعيده وثاقبة للقائد والزعيم الرئيس عبدالفتاح السيسي قائد مسيرة البناء والتنمية على أرض مصر، ربما كنا الان في موقف مختلف ولا يعلم تبعاته الا الله فالامر كان يراه البعض بشكل غير هام وضروري ولكن الحس الوطني والتفكير الاستراتيجي هو الذي انهي الجدل لتحقيق المصلحة القومية العليا.

لم يكن القطاع الخاص ولا القطاع الاستثماري قادر علي تنفيذ هذه التكليفات في هذه الفترة البسيطة التي لم تتعدي الخمس سنوات مع علمنا ان القطاع الخاص يهمه في المرتبة الاولي الربح والفرصة الافضل قبل المصالح القومية ولكن القوات المسلحة المصرية كانت وستظل الدرع الواقي والحامي لامن مصر القومي في كل الاوقات رغم صعوبة المهام والعقبات والتضحيات.

ورغم وجود بعض مظاهر القصور فى الزراعة المصرية التي يجب معالجتها علي وجه السرعة بوضع خطه عاجلة تساهم في التوازن السريع علي المدي القصير لمواجهة ازمة كورونا وما يترتب عليها من النواحي الاقتصادية لتأمين حاجة البلاد وتوفير معظم السلع الغذائية الزراعية من خلال إنتاج مصري بدورة زراعية مناسبة وتركيب محصولي استثنائي خلال الموسم الصيفي القادم.

ومن هنا يجب الالتزام بها كجزء من التخطيط الاستراتيجي للنهوض بـالزراعة المصرية وبتعاون الوزارات المعنية كـالزراعة والري والتموين والصناعة والتجارة والدفاع والتي يمكن أن تضع طوق النجاة في خطة عاجلة وملحة لتوفير حاجة البلاد، ويمكن ان نراهن عليها وعلي المزارعين المصريين والمستثمرين في المجال الزراعي لاثبات ذاتهم وانتماءهم لتراب هذا الوطن، فالامر يحتاج من الجميع تضافر الجهود من الجميع في مجال الإنتاج الزراعي المصري.

وحيث ان الزراعة المصرية من افضل الزراعات في المنطقه العربية وشمال افريقيا مع تنوع مواردها الطبيعية، وخبرات مزارعيها، والثراء الفنى والتكامل المؤسسى لما تمتلكة الدولة المصرية من أجهزة البحث والتطوير التقنى القادر علي تطويرها وتحسينها خلال فتره وجيزة، والتي يمكن من خلالها القفز بمعدلات تنموية داعمة للاقتصاد القومي وتقليل الفجوة الغذائية وتخفيض فاتورة الواردات الزراعية خلال الفترة المقبلة التي ربما تشكل عبء اساسي علي ميزان المدفوعات في ظل نقص الموارد الدولارية للدولة في المرحلة القادمة خاصة في ظل تجميد السياحة العالمية وتوقف معظم الانشطة الاقتصادية الاخري.

ان محاولات الدفع في اتجاه التنمية الزراعية المستدامة بتبني مجموعه السياسات الزراعية المتكاملة المرتبطة بالانتهاء من التشريعات الزراعية وحوافز استثمارية زراعية تشجيع المزارعين والمنتجين الزراعيين بنقل التكنولوجيا اليهم وخفض فوائد الاقراض الزراعي ضمن المشروعات الصغيره والمنتاهية الصغر وما تم من تاجيل لسداد ضريبة الاطيان الزراعية.

كل ذلك سوف تعظم الفرص المتاحة أمام الانتاج الزراعي وتزيد من الايدي العاملة في هذا القطاع من خلال فرص عمل حقيقية فاعلة في الريف المصري والاراضي المستصلحة والذي يعاني كثير من المشاكل والبطالة التي تؤثر علي جهود التنمية الحقيقية.

الآمر الذى يشير بوضوح الى ان القطاع الزراعي لو احسن استخدامه والاستفاده بالامكانيات المتاحة لديه والاستفادة من قدرات هذا القطاع وتعظيمها من خلال ضخ مخصصات اعلي لخطة استثمارية مؤقتة وطموحة ينفق عليها نصف ما انفق في السياحة وغيرها من القطاعات لحققت فائضا يعادل موارد الدولة من هذه القطاعات المختلفة، مثل السابق حيث كان القطاع الزراعي يمثل المصدر الرئيسي من العملة الصعبة حتي نهايه السبعينات.

ومن أخطر المشاكل التى تواجة الانشطة الزراعية الحالية انفاق العديد من الاموال لإنتاج منتجات زراعية (تكاليف الانتاج) يتعذر تسويقها بأسعار مناسبة تحتاج الي اعادة تسعير عادلة تحقق مصالح الاطراف، وان الانتاج المحلي حتي لو كان سعره السوقي اعلي من المستورد فانه يمثل دعما مباشرا للمنتج الزراعي يضخ مرة اخري للسوق وينعكس علي الاقتصاد ولا يمثل عبء توفير عملة صعبة يستلزم تدبيرها من خلال الصادرات او الاقتراض الدولي لتدبير هذه العملة الصعبة.

ان الاستفاده من المنتج الزراعي المصري يتعاظم بزياده القيمة المضافة له بتصنيعه والاستفادة من القدرات التسويقية له سواء بالسوق المحلي او نقله وتسويقه خارجيا ومعه يزداد حجم الصادرات الزراعية والاهتمام بالمنتجات الطازجة للخضر والفاكهة والزهور ويجب الاهتمام بالمنتجات المصنعه من المنتجات الزراعية وقيمتها الاقتصادية مثل المنسوجات ومنتجات الصناعات الغذائيه والالبان وغيرها.

ان الزراعة المصرية تتميز بكتلة سكانية كبيرة وموقع استراتيجى لمصر بتوسط بين قارات ثلاث، وبانضمامها للعديد من الاتفاقيات الدولية التى تزيد من قدرة منتجاتها على النفاذ الى الاسواق الخارجية وربما تتحول مصر بحكم موقعها الجغرافي والاقليمي ان تكون اكبر مركز تجاري وسلة غذاء العالم كما كان سابقا.

كل ذلك يتيح للمنتجات الزراعية المصرية سوقآ واسعة فى الدخل والخارج وخاصة في الظروف الحالية طالما تحصنت منتجاتها بمقومات القدرة التنافسية المتعارف عليها، وطالما تزايدت قدرة المنتجين الزراعيين على التجاوب مع متطلبات الاسواق الخارجية الدولية.

ومن هنا لابد ان يتوافر للزراعة المصرية شقآ هامآ من الحصانة والدعم الحكومي وحزمة الضرورات التشريعية والمكونات المؤسسية اللازمة لإحراز معدلات عالية من التنمية الزراعية وضخ استثمارات اضافيه لهذا القطاع لتنشيطه وتحسين الفرصة التنافسية به وتعديل قانون التعاون بتفعيل دورها في مجال الانتاج والتسويق الزراعي مع تحسين إنتاجية العديد من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كهدف قومي عاجل، من خلال برنامج وطني لمضاعفة الانتاجية لبعض المحاصيل الرئيسية مثل القمح – الذرة – القطن – الارز- الزيوت وزيادة الفرص المتاحة للتصنيع الزراعي لزيادة القيمة المضافة للخضر والفاكهة وتقليل الفاقد منها وفقا لرؤية واضحة في مدة زمنية محددة.

ان التنمية الزراعية العاجلة  اصبحت ضرورة ملحة في ظل الازمة العالمية وما تتطلبه المرحلة القادمة لتغطية حاجات السكان من المحاصيل الغذائية وتوفير قدر من العملة الصعبة لخزانة الدولة بالاعتماد علي مصادر دائمة ومستدامه لا تتاثر بالمتغيرات السريعة والهزات التي تحدث للاقتصاد القومي نتيجة ما يحدث الان مع فيروس كورونا المستجد الذي اوقف نشاط العالم وضرب السياحة واسعار البترول ودمر اقتصاديات دول متقدمة وغنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *