آخر الأخبار
الرئيسية / رئيس التحرير / مياه الرى .. رؤية حقوقية

مياه الرى .. رؤية حقوقية

د/أسامة بدير
د/أسامة بدير

بقلم: د. أسامة بدير

أكد العديد من خبراء المياه فى مصر أن نصيب الفرد من المياه سينخفض إلى 582 متر مكعب بحلول عام 2025، ومن ثم فمصر مقبلة على تحديات جمة بشأن إدارة ملفها المائى فى إطار سياسات إدارة المياه، على اعتبار أن الثقافة العالقة بأذهان المواطن المصرى منذ عشرات السنين ويتعامل وفق هذه الثقافة مع مورد المياه أنه لا ينضب أبدا…ومن هذا المنطق يمكننا أن نطرح بعض التساؤلات التى ربما تكون الإجابة عليها بقدر من الشفافية والمسؤولية يسمح لنا بقراءة الواقع والمستقبل بشأن هذا الملف الشائك الذى بات يهدد الأمن الوطنى المصرى، خاصة فى ظل تنامى الطلب على المياه بشكل متزايد كنتيجة لعمليات التنمية بجميع مجالاتها المختلفة، والزيادة المطردة فى عدد السكان فى ظل ثبات المتاح من كميات المياه التى تحصل عليها مصر من حصتها فى مياه النيل.

وفى هذا السياق يمكننا طرح التساؤلات التالية:

ماذا عن تخزين المياه في مصر؟

خزان أسوان يعد أول محاولة علمية للتخزين في مصر حيث بدأ (1898 – 1902) بسعة تخزينية تقدر بنحو مليار متر مكعب تقريبا، ثم تم تعليته عام 1912 لتصل سعته التخزينية إلى حوالى 2.5 مليار متر مكعب، ثم عام 1932 بسعة تخزينية قدرها حوالى 5 مليار متر مكعب، وكان إنشاء القناطر على النيل وفروعه وسيلة من وسائل الإدارة العلمية للمياه، حيث بدأ إنشاء قناطر إسنا ثم نجع حمادي ثم أسيوط ثم إعادة إنشاء قناطر الدلتا ثم قناطر زفتى وفارسكور (دمياط) على فرع دمياط وقناطر أدفينا على فرع رشيد، ثم تكللت جهود المصريين بفرض سيطرتهم الكاملة على مياه النيل بإنشاء السد العالي في الستينات من القرن العشرين وتبلغ سعة بحيرة ناصر التخزينية حوالي 160 مليار متر مكعب، ومن هنا فإنها تمثل التخزين طويل المدى.

وقد استمرت السياسات المائية المتعاقبة بطريقة “القاعدة التنموية أو قاعدة التخصيص” التي يتم فيها تخصيص كل ما تحتاج إليه البلاد من مياه الشرب والصناعة ثم توجيه ما يتبقى من المياه للزراعة، ويتم ذلك على أساس البدء في الأراضي الصالحة ثم التدرج في الأراضي الأقل صلاحية والأعلى من حيث المناسيب وهكذا، وكذلك تدرج الوضع بالنسبة لنوعية المياه على طريقة “اقطف الثمرة الأكثر دنواً من الأرض أولاً” بمعنى البدء بالمياه العذبة ثم التدرج إلى المياه الجوفية ثم مياه الصرف الزراعي ثم مياه الصرف الصحي المعالجة وهكذا.

إلا أن الإستراتيجية التي قدمتها الدولة لتغطى الفترة من 1997 – 2017 قد أنهت هذا النوع من السياسات حيث ستنتقل البلاد بعدها إلى الاعتماد على “قاعدة التخصيص” بمعنى توزيع المياه بين الأنشطة المختلفة طبقاً لاحتياجات كل منها وتبعاً لعائد المتر المكعب من المياه وما يضيفه إلى الميزانية المائية للبلاد.

ما الذي تنحصر فيه الموارد المائية المصرية؟

تنحصر الموارد المائية المصرية في مياه النيل وتحدد اتفاقية مياه النيل الموقعة عام 1959 بمناسبة البدء في إنشاء السد العالي أن متوسط الإيراد الطبيعي للنهر عند أسوان بما يعادل 84 مليار متر مكعب سنوياً توزع ” 55.5 مليار متر مكعب لمصر ، 18.5 مليار متر مكعب للسودان ، 10 مليار متر مكعب للبخر من بحيرة ناصر”.

وتنقسم المياه الجوفية إلي المياه الجوفية المتجددة وهى خزانات تتم تغذيتها بالمياه بشكل مستمر كما يتم السحب منها باستمرار أيضاً بما يؤدى إلى ارتفاع وانخفاض مناسيب المياه بها تبعاً لمستوى السحب ومستوى التغذية، ويمكن تمثيل هذه الخزانات بالمياه الجوفية تحت الأراضي المنزرعة في الوادي والدلتا وهى خزانات ضحلة، ونوعية المياه بها متوسطة تستخدم في كثير من الأحيان بالإضافة إلى المياه النيلية في مواقع زراعات الخضروات والفواكه وهى محاصيل حساسة لا تتحمل العطش الذي قد ينجم عن تأخر وصول المياه النيلية إليها الإضرار الجسيم بهذه المحاصيل، كذلك يلجأ العديد من المزارعين إلى استخدام هذه المياه في نهايات الترع التي قد لا تصل إليها مياه النيل بشكل منتظم.

والمياه الجوفية غير المتجددة وهى خزانات ذات محتوى مائي هائل وتنتشر في الصحراء الغربية والصحراء الشرقية وشبه جزيرة سيناء، وأهم هذه الخزانات هو خزان الحجر الرملي النوبي الذي يقع تحت أجزاء من مصر والسودان وليبيا وتشاد ويمكن السحب منه بأمان لعدد كبير من السنين للأغراض المختلفة كما أوردت أبحاث جامعة برلين.

كذلك يدخل ضمن هذه الخزانات خزان الحجر الجيري وينتشر أيضاً على مساحات واسعة ويكون سريان المياه فيها خلال التشققات التي تصل إلى حد اتساع الأنهار، إلا أن نوعية المياه في هذه الخزانات ربما تكون في بعض الأحيان أقل عذوبة من ماء خزان الحجر الرملي النوبي.

ومياه الأمطار التي تسقط الأمطار بكثافة تتراوح بين 150- 200 مم سنوياً على سواحل البحر المتوسط وتنخفض كثافتها بالاتجاه إلى داخل البلاد. إضافة إلى إعادة استخدام المياه، وتحليه مياه البحر.

ما أوجه الاستفادة من استخدامات المياه في مصر؟

يستفاد بالمياه في مصر في كافة الأنشطة التنموية والخدمية وتتمثل في:
ري الأراضي الزراعية حيث تعتبر الزراعة المستهلك الرئيسي للمياه في البلاد حيث تستحوذ على 80 – 85% من الميزانية المائية، ويصل إجمالي مساحة الأراضي المنزرعة في الوقت الحاضر حوالي 8 مليون فدان يمكن أن تزيد إلى 10 – 11 مليون فدان بحلول عام 2017.

ويصل متوسط ما يحتاج إليه الفدان من مياه الري في الوقت الحاضر حوالي ستة آلاف متر مكعب سنوياً أي أن إجمالي نصيب الزراعة من المياه يصل إلى 48 مليار متر مكعب في السنة.

كما يحتاج الأمر في بعض الأحيان إلى صرف كميات من المياه للتخفيف من الآثار الضارة لزيادة نسبة الملوثات في المياه، كما يحدث بين الحين والآخر في فرع رشيد، كذلك يحتاج الأمر إلى صرف كميات من المياه في البحر المتوسط لغسيل النيل وفروعه والترع الرئيسية مما يعلق بها من ملوثات.

كما تعتبر زراعة البرسيم شتاءاً والأرز صيفاً في الأجزاء الشمالية من الدلتا ضرورة تمليها الرغبة في دفع مياه البحر إلى الشمال والعمل على منع تداخلها مع المياه الجوفية والأراضي الواقعة في هذا الشريط الموازى للبحر داخل الدلتا. وتحتل الاحتياجات المائية الزراعية الجزء الأكبر من الاستخدامات المائية على المستوى الوطنى، وتختلف الاحتياجات المائية الزراعية طبقا للمساحة المحصولية المنزرعة حيث يتم زراعة أكثر من محصول واحد على مدار السنة.

وقد بلغت الاحتياجات المائية الزراعية حوالي 59.3 مليار م3 عام 2006 / 2007 بما يمثل نسبة 85.6 % من إجمالي استخدامات المياه في مصر، وهى كمية ما يحتاجه النبات لنموه ويفقده بالبخر والنتح ولا يشمل فواقد التوصيل في شبكة الري والتسرب من الحقول.

وعلى الرغم من أن مصر فقدت جزءا ليس بالقليل من أراضيها الخصبة بسبب تجريف الأراضي والزحف العمراني إلا أنه يتم بذل محاولات لتعويض ذلك عن طريق التوسع في الرقعة الزراعية من خلال التوجه نحو الأراضي الجديدة بإقامة مشروعات جديدة مثل مشروع تنمية جنوب الوادي (توشكي) ومشروع شرق التفريعة، ومشروع تنمية خليج السويس، وذلك بمتوسط سنوي يبلغ 150 ألف فدان وهو ما يعنى زيادة الاحتياجات المائية للزراعة في المستقبل.

ما التحديات التي تواجهه الإدارة المائية في مصر؟

تواجه الإدارة المائية في مصر العديد من التحديات التى يمكن تلخيصها في ثبات الموارد المائية مع زيادة الاحتياجات، حيث كان تعداد المصريين في بدايات القرن التاسع عشر لا يزيد عن 2.5 مليون نسمة – وصل هذا التعداد في بدايات القرن الحادي والعشرين إلى قرابة الـ80 مليون نسمة ولكن الإيراد الطبيعي لنهر النيل – المصدر الرئيسي للمياه – لم يتحرك خلال هذه الفترة بما يعنى أن نصيب الفرد من المياه عام 1800 كان يصل إلى حوالي 20000 متر مكعب سنوياً انخفض إلى ما يقل عن 1000 متر مكعب عام 2000، بينما تضاعفت احتياجات المواطنين من الماء بسبب ارتفاع مستوى معيشتهم الأمر الذي انخفض معه نصيب الفرد من المياه إلى حوالي 759 متر مكعب عام 2007 ويتوقع أن ينخفض إلى 582 متر مكعب سنويا عام 2025.

واستئثار الزراعة بالنصيب الأكبر من المياه، رغم أن الأنشطة الزراعية تحصل على ما يزيد عن 80% من الميزانية المائية للبلاد إلا أن مساهمة هذه الأنشطة في الدخل الوطنى لا تزيد عن 15 – 20% ، كما أن ما لا يقل عن 40% من القوة العاملة في البلاد تحصل على قوتها من الأنشطة الزراعية التي يدخل فيها العمل في مهنة الزراعة ونقل الحاصلات الزراعية وبيعها والعمل في الصناعات التي تقوم على الزراعة وتعبئة وتصدير الحاصلات الزراعية وغيرها.

ما الجوانب الحقوقية فى الملف المائى المصرى؟

مع أن المياه تعتبر أساس الحياة، كونها نعمة إلهية تتوفر مجانا للإنسان في الطبيعة، إلا أن بني البشر تعاملوا مع المياه بإهمال، إما من خلال الاستنزاف المستمر وإما من خلال التلوث وأخيرا من خلال تحويل المياه إلى سلعة يمكن بيعها وشراؤها، والأخطر من ذلك يمكن تملكها من قبل مجموعة من الشركات، وذلك تطبيقا لاتفاقية الخدمات البيئية التابعة لمنظمة التجارة العالمية. وبالفعل دخل العالم الآن في زمن العولمة الاقتصادية في عصر تملك المياه.

وظلت المؤسسات التمويلية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) لفترة كبيرة وحتى اليوم تضغط على الدول الفقيرة ومنها مصر لخصخصة الخدمات بها ومن ضمنها المياه العذبة، وذلك تحت زعم المحافظة علي المياه واستعمالها بشكل مقنن، حيث تقوم هذه المؤسسات بتقديم الأدوات الاقتصادية كأساس في إدارة المياه العذبة ودون النظر إلى الأبعاد الاجتماعية والصحية، والتي تتضمن بالضرورة حق المواطنين بالمشاركة في إدارة الموارد وحقهم في المعرفة، الأمر الذي يؤدى إلى الإضرار بالفقراء ضرراً شديداً.

وبالطبع فإن هذا المنطق يتناقض مع حق الحصول على المياه، فهو حق من حقوق الإنسان، وهو ما تنادى به العديد من المنظمات الأهلية علي المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، على اعتبار أن الحق في المياه يعني أنه ليس مجرد خدمة وليس بالتأكيد سلعة، وبالتالي فأنه لا يجب أن يخضع للخصخصة واقتصاديات السوق.

كما تضمنت العديد من المواثيق الدولية هذا الحق وأكدت عليه مثل العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والذي أكد علي الحق في الصحة والغذاء الصحي، والذي فسرته اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في التعليق رقم 15 بأنه لا يمكن تنفيذ هذه الحقوق سالفة الذكر دون الوصول إلي الحق في المياه.

أيضا أكدت علي الحق في المياه كلاً من اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة، كما تضمن إعلان الأمم المتحدة حول الحق في المياه بعض المؤشرات الأساسية لتقييم حالة حق المياه في الدول وهي: توفر كميات كافية ودائمة من المياه، ونوعية مياه مناسبة للشرب، والبنية التحتية لخدمات المياه والقدرة على الوصول إلى الناس، والقدرة المالية على الحصول على المياه، وعدم التمييز في الحصول على المياه، وتوفر المعلومات حول نوعية المياه، وتوفر المياه من أجل الأمن الغذائي، ونوعية المياه والأنظمة البيئية الطبيعية، والمياه المتوفرة للمنازل وحق السكن، والمياه المتوفرة لسبل المعيشة والحق في العمل.

هذا وقد ظلت مصر لفترة كبيرة تقاوم خصخصة المياه وتلتزم بتقديم هذه الخدمة إلا أنه وفي سياق سياسات العولمة الجديدة التي تقوم بها منظمة التجارة العالمية والتي وضعت في مؤتمر الدوحة 2001 المياه كإحدى أنواع الخدمات التي أضيفت إلي لائحة اتفاقية تحرير الخدمات، ومن ثم خصخصتها وتحولها إلي سلعة وعلي أثر ذلك بدأت مصر تأخذ خطوات في اتجاه خصخصة المياه بها كاستجابة لسياسات العولمة سالفة الذكر.

وبدأ الحديث عن ضرورة تسعير المياه سواء في مجال مياه الشرب أو في مجال مياه الري، رغم إعلان الجهات الحكومية المختصة مراراً أنها لا تنوى خصخصة المياه، إلا أنها عمدت في مجال الري إلى إنشاء ما يسمي بمجالس المدن وروابط القرى التي تكون كلاً منها مسئوله عن ترعة أو مسقي وتغطية التكاليف الخاصة بصيانة ورعاية هذه الترع والمساقي وهو تمهيد واضح لتسعير وخصخصة مياه الري.

وأخيرا ما أريد التأكيد عليه أنه من الواضح أن سياسات العولمة قد بدأت تظهر آثارها الكارثية علي حياه الناس، وأضحت تمس جوهر حياتهم عبر تقويض حق المواطنين فى الوصول والحصول على المياه بشكل آمن كحق أصيل من حقوق الإنسان، من خلال وضع هذا الحق ضمن آليات السوق وما يترتب علي ذلك من كوارث اقتصادية واجتماعية وصحية وبيئية.

للتواصل مع الكاتب
usamabedir@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *