آخر الأخبار
الرئيسية / عربى / موريتانيا.. شواطئها الأغني بالأسماك عالميا

موريتانيا.. شواطئها الأغني بالأسماك عالميا

الثروة السمكية في موريتانيا

كتب: د.عبدالحميد عيد منذ استقلال البلاد العام 1960، ظلّ قطاع الصيد البحري من أكبر القطاعات الاقتصادية في موريتانيا التي تعتبر شواطئها الأغنى بـالأسماك عالمياً. كذلك حافظ على رقم إنتاج قياسي عبر أساطيل الصيد الموريتانية والأجنبية البالغة حوالي 1000 سفينة صيد كما شكل المشغل الأول للعمال بعد الحكومة.

وهذا ما يطرح السؤال عن أسباب الفقر الشديد في موريتانيا برغم وجود هذه الثروة المائية الكبيرة.

بفضل الاتفاقية الموريتانية الأوروبية للصيد البحري، تجني الدولة الموريتانية سنوياً 109 ملايين يورو، وتشهد هذه الاتفاقية مراجعة حالياً وسط مساع موريتانية لإيجاد بديل أكثر مردودية. غير أن عائدات الصيد تبلغ أرقاماً قياسية بالنسبة للقطاع الخاص الموريتاني وقطاع الصيد البحري التقليدي الذي يزود السوق المحلي وبعض أسواق الدول المجاورة بـالأسماك.

يعكس وجود العاصمتين السياسية والاقتصادية لـموريتانيا على شاطئ المحيط الأطلسي الأهمية الكبيرة التي يحتلها قطاع الصيد البحري، ثاني أكبر القطاعات الحيوية بعد القطاع المعدني، في اقتصاد البلاد التي اعتمدت منذ استقلالها على مصادرها البحرية الغنية للنهوض باقتصادها المحلي الهش. وإذا كانت عوامل كثيرة قد تضافرت لتجعل من موريتانيا بلداً غنياً بالموارد البحرية، فلا تزال عوامل أخرى تعيقها حتى الآن الاستفادة المثلى من ثرواتها البحرية.

إمكانات مهدورة

يمتد الشاطئ الموريتاني على طول سبعمائة كيلومتر. وتلتقي في المياه البحرية التيارات البحرية التي تتحرك عبر الأعماق ولاسيما تيار الكناري البارد وتيار الإكوادور الساخن؛ حيث يحمل هذان التياران العوالق البحرية والنباتية ما يشكل بيئة مواتية لتكاثر الأسماك وجذب أنواع سمكية مهاجرة. وتبلغ مساحة المنطقة الاقتصادية الخاصة بـالصيد 230 ألف كيلومتر مربع، إضافة لوجود جرف قاري بمساحة 39.000 كلم مربع.

أ.د/ عبدالحميد عيد

كلّ هذه العوامل هيأت الشواطئ الموريتانية لتتصدّر مرتبة متقدمة بين الشواطئ الأكثر ثراء بـالأسماك والأحياء البحرية حول العالم. فيعيش في مياهها حوالى 170 صنفاً من الأسماك والكائنات البحرية القابلة للتسويق، لعل أهمها: الأخطبوط، الحبار، الجمبري، سمك موسى، سمك الترس، تونة البحر، السردين، سمك البوري الأصفر والأسود، جراد البحر، الحلزون. إلى جانب أنواع نادرة من الدلافين وشيخ البحر والعقارب البحرية.

وفي نواكشوط العاصمة، يُبحر ثلاثة آلاف وسبعمائة قارب صيد تقليدي صباحاً في رحلة البحث عن الأسماك، وعلى متنها عشرات آلاف من الصيادين الموريتانيين والأفارقة. وتختلف نسبة المحصول اليومي من الأسماك فتتراوح بين 500 طن و 150 طن يومياً.

أما السفن الأجنبية العاملة في مجال الصيد في المياه الإقليمية الموريتانية، فقد بلغ عددها عام 2011 قرابة 344 سفينة موزّعة بين بلدان الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا. وتوضح الإحصاءات الحكومية التباين الكبير بين مساهمة الأساطيل الأجنبية والأسطول الوطني في إيرادات ميزانية الدولة حيث تبلغ الأولى 66% فيما لا تتعدى الثانية نسبة 6%؛ ما يعكس سيطرة الأساطيل الأجنبية على قطاع الصيد على حساب الصيادين المحليين الذين يعانون نقص الإمكانات ومنافسة السفن الأجنبية. وتشير تقديرات رسمية إلى أن حوالى 95% من الأسماك الموريتانية تُصدّر إلى الخارج فيما لا توجّه إلى الأسواق المحلية إلا كميات قليلة من الأنواع السمكية الرخيصة.

فالصيادون المحليون يركزون على تسويق السمك المثلَّج الذي يقوم به حوالى 70% من الناشطين في الصيد التقليدي، بينما يختص الأجانب بما له قيمة مُضافة، أي تصنيع السمك حيث يوجد 30 مصنعاً لإنتاج دقيق السمك وزيوته يعمل فيها 3,000 أجنبي، وهذا عدد كبير مقارنة مع العاملين في مجال الصيد التقليدي عموما الذين يناهزون 40,000 لا يعمل منهم في مجال الصيد الصناعي إلا بضع مئات”. ويبلغ حجم الصادرات الموريتانية من الأسماك إلى الأسواق الأوروبية والصينية واليابانية 600 ألف طن سنوياً وتقدّر قيمتها بحوالى 350 مليون دولار سنوياً. وقامت الحكومة الموريتانية بإنشاء شركات مختلطة للصيد مع عدد من البلدان، من بين هذه الشركات الموريتانية الروسية، الجزائرية، الليبية، الرومانية.

ويعود أول انتعاش حقيقي لقطاع الصيد في موريتانيا إلى بداية عقد السبعينيات مع إنشاء أول أسطول وطني، حيث وصل حجم المحاصيل السمكية مئة ألف طن. وقد تضاعف هذا الحجم في العقد الأخير بمعدل 14 مرة، كما تضاعفت مساهمة قطاع الصيد في الناتج القومي الخام من 4% عام 1980 إلى 10% عام 1985. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، عرف قطاع الصيد البحري تطوراً كبيراً عندما بدأت السفن الأوروبية والروسية والصينية واليابانية عمليات الصيد المكثفة في المياه الإقليمية الموريتانية.

النزيف الأطلسي

انعكس فتح المجال البحري أمام السفن الأجنبية سلباً على الثروة البحرية الموريتانية التي تعرّضت لعمليات استنزاف خطيرة. وشكّل غياب الرقابة البحرية وضعف إمكانات الدولة وتذبذب الأوضاع السياسية والاقتصادية فرصة للأساطيل الأجنبية لتنهب الثروة السمكية.

ولعلّ أبرز الأمثلة على عمليات الاستنزاف، الاتفاق الموقع بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي عام 1996 الذي سمحت بموجبه الحكومة لأربعين باخرة أوروبية بصيد رأسيات الأرجل في المجال البحري الموريتاني. إلا أن انعدام الرقابة البحرية وضعف الإدارة المحلية أدى إلى استنزاف الثروة السمكية الموريتانية وفقدان 80 % من الكتلة الحيّة للأخطبوط خلال هذه الفترة. وتواصلت عمليات الاستنزاف مع دخول الآسيويين إلى السوق ما ضاعف حجم الأضرار المترتبة على خرق قوانين الصيد. ولكن احتدام المنافسة بين الأوروبيين والآسيويين أنعش الاقتصاد البحري مجدداً.

وقد بلغت عائدات الصيد عام 2011 حوالى 300 مليون دولار، ثم تسجل تراجعاً متأثرة بتبعات الأزمة المالية العالمية قبل أن تعاود الصعود. وفي الوقت الراهن، يقدّر حجم الصادرات الموريتانية من الأسماك إلى الأسواق العالمية بـ600 ألف طن سنوياً وتصل قيمتها إلى حوالى 350 مليون دولار سنويا. يغطي الصيد الصناعي ما بين 30 إلى 40% من احتياطات موريتانيا من العملة الصعبة ويساهم بنسبة 25% في ميزانية الدولة، وبنسبة 10% في الناتج القومي الخام، ويمثل ما بين 35 و50% من حجم صادرات البلاد. وتقدّر الاحصاءات شبه الرسمية، أن حوالى مائتي ألف أسرة موريتانية تعيش على الاقتصاد البحري، إلا أن السلطات تطمح إلى مضاعفة هذا العدد في السنوات القليلة القادمة، كما تسعى إلى زيادة اليد العاملة في قطاع الصيد التقليدي من 40 ألف عامل إلى 80 ألفاً.

ويتكون الأسطول الموريتاني حالياً من 350 سفينة، إلا أنّ عدم وجود موانئ واسعة، وصعوبة النقل الجوي في نواذيبو يعقّد عمليات التصدير. وتحتكر الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك التي أنشئت عام 1984، تصدير الأسماك المجمدة إلى الخارج، وتتولى تنظيم المعاملات التجارية بين الشركات المحلية والعملاء الأجانب، كما تشرف على تحديد الأسعار والتحقق من الأنواع السمكية التي يجري تصديرها محلياً، رغم ما يشوب هذه العملية من تحايل وفساد حسب عاملين في القطاع.

*مُعد التقرير: أستاذ تغذية واستزراع الأسماك بكلية الزراعة جامعة قناة السويس بالإسماعيلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *