آخر الأخبار
الرئيسية / حوار / مدير محطة بحوث الصحراء بشمال سيناء: إسرائيل سرقت البلح المجدول وزرعته بمياه الصرف وغزت به أسواق العالم

مدير محطة بحوث الصحراء بشمال سيناء: إسرائيل سرقت البلح المجدول وزرعته بمياه الصرف وغزت به أسواق العالم

■ الزراعة سند المصريين.. وإذا ابتعدوا عنها ضاعوا

■ آبار سيناء أصبحت مالحة ويجب الاستفادة منها في زراعة الجوجوبا والمورينجا

■ أدعو أن يكون الرمان هو العصير الرسمي للمصريين

حوار: هيثم خيري

فى حوار لا ينقصه الصراحة، تحدث الدكتور وائل غيث، مدير محطة بحوث شمال سيناء بالشيخ زويد، بالتفصيل عن خريطة الزراعة في سيناء، وكيف تحولت بسبب التغيرات المناخية؟ وكيف يمكن استغلالها بعد تملح الكثير من آبارها؟ وكيف يمكن جعلها منطقة تصدير مهمة للنباتات الطبية والعطرية والجوجوبا؟ وما مصير الملف الزراعي بعد ترك الفلاحين أراضيهم والتوجه لقيادة “التوك توك”؟.

من سلطة الأفوكادو إلى المرمرية، ومن الزعتر إلى الخوخ السيناوي، ومن العجوة المصرية إلى البلح الإسرائيلي المروي بـمياه الصرف.. من استصلاح الأراضي الصحراوية إلى مشاكل مزارعي الدلتا والوادي.. هذا الرجل حقا يصعب وصفه في عدة جمل عابرة..

د.وائل غيث، مدير محطة بحوث شمال سيناء

يعمل الدكتور وائل غيث مديرا لمحطة بحوث الشيخ زويد، وهي المحطة الرئيسية التابعة لـمركز بحوث الصحراء بمحافظة شمال سيناء، وقبل هذا هو ابن سيناء بحق، يحفظ تضاريسها ودروبها ووديانها عن ظهر قلب، و”ابن نكتة” أيضا يحدثك عن الرمان المنفلوطي كأنه يحكي حكاية عن رجل مسن جار عليه الزمان، فيقول إنه “متمرمط والناس متعرفش قيمته”، ويتغزل في البلح المصري كأنه يحكي عن امرأة زادها الحسن، ويضيف: “من الجرائم التي يرتكبها شعبنا أنه لا يعطي العجوة حقها”.
يتحدث عن ثقافة المصريين الغذائية ويعتبرها “حولاء”، يتجهون إلى الأكلات الضارة ويتركون أكثر الفواكه والخضروات نفعا، كما يكشف عن تملح الآبار الجوفية في شمال سيناء إلى أكثر من 3 آلاف جزء في المليون، مما أدى لتغير خريطة الزراعة في المنطقة، متوقعا حدوث تغيرات مناخية قد تؤدي لاختفاء أصناف من الفواكه في مصر على مدى العقود القادمة.
بكلمات لا تخلو من التفاؤل بمستقبل سيناء والبلد، يتحدث بالتفصيل عن الإمكانيات الزراعية الضخمة التي تتمتع بها المحافظة الآن، وعن نجاح زراعات الجوجوبا والنكتارين والمورينجا، فضلا عن النجاح الباهر في زراعة النباتات الطبية والعطرية والطلب المتزايد عليها، وفرص تصديرها للخارج.

وإلى نص الحوار..

س: من خلال متابعتك للتغيرات المناخية في شبه جزيرة سيناء ومصر عموما.. كيف ترى الواقع الحالي للمنطقة؟

دعني أتحدث بصراحة شديدة، لم يصمد في هذه المرحلة إلا النخيل والزيتون والرمان والتين وقليل من العنب وبعض الفواكه الأخرى في ظرف 20 سنة فقط، فما بالك بما هو قادم. في كثير من أنحاء شمال سيناء تعتبر منطقة ساحلية، ومعروف أن المناطق الساحلية تضبط المناخ بطبيعتها، ولو دخلنا إلى عمق سيناء في الوسط سنجد التأثيرات المناخية تضرب في عشرة أضعاف تقريبا، خاصة في ظل تملح الآبار الجوفية في المنطقة.

بماذا تنصح المزارعين الذين يعتزمون استصلاح أرض صحراوية بشمال سيناء؟

نحن أهل البادية والعرب نسمى الصحراءمفازة“، حيث إن العرب بطبعهم يميلون إلى استخدام الألفاظ التي تطلف الأجواء وتسمي الأشياء بنقيضها، بمعنى أن الصحراء بطبيعتها مليئة بالتيه والصعاب والتضاريس الوعرة، ولذا يسميها العرب “مفازة“؛ لأن من قطعها فاز، فهي إذن مليئة بالتحديات وتختلف تماما عن الزراعات في الأراضي الطينية والدلتا، هذه التحديات تستلزم من أي فرد أو مجموعة تسعى لإعمارها أن يتحلوا بمجموعة من المفاهيم أهمها أن يملكوا الوعي الكافي بالزراعة في الصحراء، وأن يستفيدوا من التقنيات الحديثة في الري بالتنقيط، وأن يعرفوا التراكيب المحصولية المناسبة لهذه الأراضي في ظل الظروف المتغيرة الآن.

برأيك، ما الممارسات السليمة التي يجب على المزارعين التحلي بها في شمال سيناء؟

أول هذه الممارسات والسلوكيات المعدلة على الإطلاق أن ندرس هذه الظروف، وبعد ذلك يكون هناك محاور رئيسية نعمل من خلالها، أولا هناك تركيب محصولي لابد ألا يتخلف المزارع عنه، من الوارد بالطبع أن نطور في هذا التركيب عن طريق استقدام بعض السلالات الجديدة، ولكن لا يذهب المزارع للثقافة القديمة بـالري بالغمر تحت أي ظرف، بل إن الري بالتنقيط لم يعد كافيا، وأصبح هناك ري تحت السطحي بالتنقيط.

س: لماذا يا دكتور وائل؟

إذا ارتفعت ملوحة البئر عن 1500 جزء في المليون فلا تصلح مياهه للري بالرش، لأن النباتات وقتها ستتضرر بتبخر المياه وبقاء الأملاح لذا لابد من الري بالتنقيط، وأصبح هناك تطورا في الري تحت سطحي بأن تكون خراطيم الري مدفونة تحت عمق 30 سم من أجل تقليل البخر للتجفيف الجزئي المتبادل.

ما وضع الآبار الجوفية في شمال سيناء الآن؟

سيناء تصلها مياه النيل عبر ترعة السلام في مناطق محدودة من المحافظة، وبقية الأراضي بالكامل تعيش على الآبار الجوفية باستثناء مناطق محدودة أخرى في رفح والشيخ زويد تسقى بـمياه الأمطار، وقد تحولت الآبار الجوفية إلى الملوحة الشديدة حتى أصبح من النادر أن تجد بئرا تقل ملوحته عن 3 آلاف جزء في المليون، وهذا واقع يفرض نفسه في المحافظة ويجب التعامل معه بحذر وتغيير التركيب المحصولي تبعا لهذا التغير.

س: ما أهم المحاصيل التي يمكن زراعتها في صحراء سيناء الآن؟

هناك محاصيل كثيرة جدا أثبتت نجاحها في الصحراء عموما، وفي شمال سيناء تحديدا.. أهمها النخيل والزيتون، حيث نشتهر بهما ويصلحان للزراعة في معظم أراضي وسط وشمال وجنوب سيناء، ثم الرمان في كثير من أنحاء المحافظة، والجوجوبا والمورينجا والخروب والتين الشوكي والنبق، أما الموز والفواكه الشرهة للمياه العذبة فلا تحدثني عنها.
أتوقع أننا في خلال عقود “فواكهنا مش هانشوفها تاني”، ليس في مصر فقط وإنما في الدول العربية الشقيقة.. أتوقع أنه بعد مائة سنة سيسمع أحفادنا عن حكايات أجدادهم بأن مصر كانت تزرع الموز، وأن تصبح فواكهنا المعروفة وقتها التين الشوكي والنبق والجميز، وستصبح الفواكه الأخرى رفاهية ولن يراها أحد إلا مستوردة.. الأمور انقلبت وستنقلب 180 درجة وعلينا أن نرتب أوراقنا من الآن لهذه المراحل.

س: ما فرص الاستثمار الزراعي في سيناء في ظل هذا الواقع؟

هناك فرص استثمارية عظيمة لأي مزارع أو شركة، حيث يتم زراعة القمح والشعير بالتنقيط، بالإضافة لمحاصيل الأعلاف كالذرة، ومن الخضروات الباذنجان والخيار والعائلة القرعية كلها، بالإضافة للنباتات الطبية والعطرية التي تعتبر كنزا رهيبا يجب استثماره وتعظيم الاستفادة منه، فبالإمكان التوسع في زراعة الزعتر والشمر والمرمرية وأنواع عديدة أخرى أثبتت التجارب نجاحها الباهر في الزراعة، خاصة وأن قيمتها الاقتصادية تتعاظم يوما بعد الآخر.
والمشكلة أن بعض الناس تحاول معاندة الطبيعة والظروف المناخية وأحيانا يأخذ الجهل مداه معهم، فتجد أماكن يستحيل زراعتها بمحاصيل الدلتا ورغم ذلك يتمادى المزارعون وبعض المهندسين الزراعيين بثقافتهم ويزرعونها بأي محاصيل “والسلام”.. بشكل شبه يومي أرى مصائب وكوارث في زراعة المحاصيل في غير الأماكن الطبيعية لها بدون دراسة.

س: ما المحظور زراعته في شمال سيناء الآن من وجهة نظرك؟

كل المحاصيل الشرهة للمياه، لا سيما المياه العذبة. كما أن النبات الصحراوي له شكل مميز، إذا نظرت لشجرة التين الشوكي مثلا ستجد أن لها زغب والشجرة تقف بتكوين معين كأنها تتحدى الريح والرمال، هذه النبتة خلقها الله على هذا النحو لتعيش في الصحراء، بخلاف شجرة الموز ذات الأوراق الضخمة وارفة الخضرة التي تعيش وتزدهر في الأراضي الطميية الرطبة الغنية بالعناصر. ما أقصده هو عدم تغيير الطبيعة وألا يضع المزارع نفسه في تحديات أكثر من اللازم، واختراع العجلة مجددا، بل الاستفادة من الطبيعة كما هي.

س: ما مدى نجاح زراعة المحاصيل الطبية والعطرية؟

نجحت بإنتاجية عالية جدا، خاصة المرمرية والزعتر والحبق والقيسوم والمغات.. هذه النباتات وغيرها مفعولها جبار على الصحة العامة، وللأسف ليس من جرب بنفسه كمن سمع. والمعروف أن النباتات الطبية والعطرية قيمتها الاقتصادية في تزايد، لأن صيدلية العالم كله أصبحت هذه النباتات.. بقلب جامد أستطيع أن أقول للمزارع إذا توجهت للصحراء ازرع المرمرية والزعتر والنباتات الطبية والعطرية ولا تزرع البرسيم، فمعدل أرباح هذه النباتات وصلت العام الماضي إلى 65 ألف جنيه للفدان الواحد. كما نجحنا في زراعة الأفوكادو على نطاق واسع في شمال سيناء، وهذا الأفوكادو له قصة كبيرة، فهو غني بالزيوت والأوميجا 3 التي لا تتوافر إلا في الأسماك وزيت الكتان والقليل من الأغذية الأخرى، وسبب زراعتنا له أن السيناوية محتكون بإخوتهم الشوام ونقوم بعمل الأفوكادو كأطباق سلطة مثل “بابا غنوج” إلا أنه أرقى كثيرا منه، كما أن احتياجاته في الزراعة قريبة من أشجار المانجو وجدواه الاقتصادية عالية.

س: استشعر من كلامك أننا بحاجة لتغيير ثقافتنا الغذائية؟

طبعا.. وفورا.. المشكلة أننا كمصريين لدينا ثقافة غذائية “حوله” وصرنا أعداء أنفسنا.. نستهلك الأكلات غير المغذية بينما نترك المحاصيل شديدة القيمة الغذائية، على سبيل المثال لا يجب أن يخلو بيت مصر من زيت الزيتون لأنه غني بالفوائد والقيمة الغذائية.. حين أهدي أحد أصدقائي القاهريين زيت الزيتون يمكث في بيته بالسنة الكاملة، وحين أسأله هل نفد؟ يجيبني بأن “المدام والبنات بيدهنوا به شعرهم.. جاتهم ستين نيلة جميعا”.
الرمان الذي نزرعه في شمال سيناء وأسيوط وغيرها من المحافظات المصرية “متمرمط” رغم أننا المفروض “نضرب له تعظيم سلام”، بل أدعو أن يكون الرمان هو العصير الرسمي للمصريين مثل القصب.. في المملكة العربية السعودية يعتبر عصير الرمان هو المشروب الأساسي لدى المحلات.. يا سلام على التين الشوكي وعظمته.. غني بالفيتامينات والبروتين ويزرع لوضع الحدود بين الأراضي السيناوي محصول هامشي، رغم أهميته الغذائية، ومشكلته الوحيدة في التداول حيث يلقى على عربات الكارو التي يجرها باعة متجولون، ولو تم تسويقه بشكل جيد مثل تعبئته وبيعه في سلاسل المتاجر أو تصنيعه وعمل “مربى” سيتهافت المصريون عليه مثلما يتهافت كثير من أشقائنا العرب على شربه.

س: كيف يمكن تطوير زراعات النخيل وإكثار الأصناف عالية الإنتاج والقيمة الاقتصادية؟

النخيل المصري بصدق لا يضاهيه نخيل في الكثير من دول العالم، وأنا مسئول عن كلامي هذا، إلا أن العديد من الدول سبقتنا للأسف الشديد في تسويق بعض الأصناف وخلقت طلبا شديدا عليها، مثل صنف البلح المجدول، ولهذا البلح قصة في غاية الغرابة.. استطاعت إسرائيل زراعته بكثافة بمياه الصرف المعالج حتى أصبحت الآن تمتلك نصف السوق العالمية من التمور، بسبب هذا الصنف تحديدا، وبالمناسبة هو صنف تم سرقته من المغرب وذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى إسرائيل رأسا.

س: هل يتم زراعة نخيل البلح المجدول في سيناء؟

بدأنا في إكثاره، ولدينا العديد من المزارعين الذين نجحوا في زراعة هذا الصنف من النخيل، كما أن لدينا أصنافا ممتازة أخرى مثل بلح الرطب السيناوي الذي يستخدم في العجوة الفاخرة.
من الجرائم التي يرتكبها الشعب المصري أنه لا يعطي العجوة حقها.. العجوة مفترض أن تصبح ضيفا أساسيا على المائدة المصرية من الصغار إلى الكبار، فهي رخيصة ورغم ذلك لها فوائد جمة في تنشيط الدورة الدموية، وبينما لا يعطيها المصريون حقها تجد معدلات استهلاك قطاع غزة أي نحو 2 مليون نسمة من زيت الزيتون والعجوة أكبر من استهلاك المصريين كله، لذا تجد الشاب “الغزاوي” قوي البنية، وجهه شديد النضارة، لا يبدو عليه الشحوب، لذا أطالب وزارة التربية والتعليم بتبني غذاء عبارة عن خليط العجوة وحبة البركة والسمسم وزيت الزيتون وتوزيعه على تلاميذ وطلبة المدارس، كوجبة غذائية مليئة بالدهون وأوميجا 3 والفيتامينات والعناصر البروتينية، ساعتها سيجد الأهالي فارقا شاسعا في استيعاب التلاميذ للدروس ويغير من صحتهم العامة.

س: وماذا عن زراعة النقليات كاللوز والفستق؟

أولا أود الإشارة في هذا الصدد إلى أن المشروع الجاري باستزراع 400 فدان بـالمكسرات في جنوب سيناء، مصدر أشجار اللوز المزروعة فيه بالكامل هو محطة أبحاث الشيخ زويد، حيث استغرقت 5 سنين “بلف مصر شق شق عشان ألاقي صنف جيد”، وتعبت جدا حتى جمعت عدة أصناف من اللوز، بموجب برنامج ممول لـمركز بحوث الصحراء لكنه لم يكتمل، والمهم هو أن اللوز يمكن أن يخرجنا من ظروفنا الاقتصادية الصعبة في شمال سيناء، وبالمناسبة محافظتنا تعتبر معقل اللوز في مصر.

لكن إنتاج شمال سيناء من الخوخ واللوز تراجع خلال الفترة الأخيرة؟

محافظتنا وحدها كانت تزرع من 15 ألف إلى 20 ألف فدان بـاللوز في رفح والشيخ زويد تحديدا، وما حدث أن أجزاء كثيرة من الأراضي المزروعة هجرها أصحابها وأصبح هناك إهمالا من المزارعين لأراضيهم بسبب الحرب على الإرهاب، خاصة وأن زراعة اللوز تعتمد بالأساس على مياه الأمطار ويجب الاعتناء بالأشجار وتقيلمها وتسميدها أولا بأول. وأتعهد مع تلاميذي وزملائي في مركز بحوث الصحراء أن نعيد إحياء الأشجار والمزارع التي تم هجرها، بعد القضاء على الإرهاب.

س: كيف يحسّن مركز بحوث الصحراء بشمال سيناء إنتاجية اللوز؟

اللوز شجرة صحراوية، ونطلق عليها الشجرة الذهبية، خاصة أنها تثمر بعد 3 أو 4 سنوات فقط، وكل ما نقوم بتطويره هو انتخاب مجموعة من الفسائل واستزراعها في “الجنينة” مع بعضها، وبالمناسبة اللوز محصول يشرب مياه الري وأحيانا يحصل على ري تكميلي، لأن المياه التي يروى بها يجب ألا تكون شديدة الملوحة، بحيث لا تتعدى 1500 جزء في المليون. وقد عرفت شمال سيناء بزراعة اللوز منذ عشرات السنين، حيث كان يطعم عليه الخوخ السيناوي الشهير، وما نقوم به الآن هو تطعيم اللوز المر بـاللوز الحلو لينتج “صنف مفيش زيه”.

س: هل هناك فوائد للوز المر غير تطعيم الخوخ؟

بعدما عادت إلينا سيناء من أيدي الصهاينة كنا قد عرفنا زراعة اللوز المر لتطعيم الخوخ السيناوي، فقد كان هناك أكثر من 100 ألف فدان مزروعة بـالخوخ ويتم تطعيمها بـاللوز شديدة المرارة والقوة، وأهميته أن زيته يشهد طلبا متزايدا ورهيبا، كما يتم بيع الشتلات في عمر 60 يوما فقط كأشجار صغيرة، لأنها مفيدة في تطعيم المشمش والبرقوق والنكتارين، وفي الأراضي الجافة يصبح اللوز المر والحلو “فرس الرهان الرابح”.

س: وماذا عن بقية محاصيل النقليات؟

أجرينا تجارب على زراعة الفستق وفشلت “على بلاطة”.. أمضينا 10 سنين نزرع الفستق في وسط سيناء وواجهنا مشكلتين أن الفستق يحتاج لساعات برودة في الشتاء ليست متوافرة، وزرعته في المغارة بوسط سيناء وفي الشيخ زويد ومات بعد عامين فقط.. اشتغلنا عليه بكل المعاملات الزراعية ولم يجد نفعا. كنا نلقحه يدويا مثل النخيل مع فارق أن أشجاره كانت صغيرة للغاية، وأصبح “يشل ويجيب الضغط” وفشل.

س: على ذكر النقليات.. هل يمكن زراعتها في مناطق صحراوية أخرى مثل سيوة؟

بالطبع لا، الفستق ـ كما قلت ـ يحتاج لساعات برودة لا تتوافر هناك، فضلا عن فشل زراعة اللوز في سيوة.. سيعاني جدا جدا، رغم أنه يحتاج لـ 80 ساعة برودة في الشتاء لكنه يحتاج أيضا لمياه درجة ملوحتها بسيطة. أما عين الجمل فيزرع في محافظتنا على استحياء، قد تجد أحد المزارعين يملك عدة أشجار لكن “كل فين وفين”، كما أنها شجرة تحتاج للعمر الطويل حيث تطرح بعد 8 سنوات ولذا ليس عليها إقبال كبير.

س: ما الموقف الآن في محطة بحوث الشيخ زويد وسط الحرب الدائرة على الإرهاب؟

منذ 4 سنوات تقريبا ونحن صامدون وكل ما نجتهد من أجله هو أن نقف مساندين للمزارعين ولا نسمح بالانهيار.. 4 سنين ننتظر اليوم الذي ينقشع فيه الإرهاب وتستقر الأرض ومن عليها.. وأرجو أن يثق المواطن السيناوي فينا، فجميع الزملاء والباحثين والمهندسين في محطة البحوث ينتظرون اليوم الذي يستأنفون فيه العمل بكامل قوتهم كخيول سباق عينتها القوى العاملة في “جنينة الحيوانات”.. وحين نرجع للعمل سنعوض ما فات.

س: كيف ترى مستقبل مصر الزراعي؟

أثق أننا سنعيش وستستمر الحياة أفضل مما كانت عليه.. نحن متفاؤلون جدا بالمستقبل، لأن الناس “لازم تعيش وتاكل وتكسب قوتها”.. الزراعة حرفة المصريين الأساسية، وليس هناك بديلا عن الزراعة، وصدقني كلما ابتعد المصري عن الزراعة ضاع و”خد على دماغه”.. بقليل من التأمل ستجد أن الحرفة الوحيدة التي تجعل المصري “واقف وصامد وصالب طوله” هي الزراعة، فلا يزال المواطن يذهب إلى السوق ويشتري البطاطس والباذنجان والطماطم بأسعار زهيدة قياسا بالكثير من الدول المجاورة التي يصل فيها سعر كيلو البطاطس إلى 15 ريالا.. ما يستر أحوال المصريين ويعطيهم الصلابة إلى الآن هو الإنتاج الزراعي، وأن الناس تزرع أراضيها، وتأكل الجبن بـالجرجير وعرقين البصل.. ما يستر الموظفون في الأقاليم أنهم منتجون ويزرعون القراريط المعدودة في بلدانهم، يزرعون الملوخية بجوار البامية ويأكلون هم وأسرهم دون أن يدفعوا مليما في شراء السلع، أو بمعنى أدق يعيشون بأموال قليلة، وهذا ما يجعل الناس تتحمل الغلاء.
ـ لكن الرقعة الزراعية تقل بسبب البناء العشوائي عليها.

صحيح.. كما أن الرقعة الزراعية في الصحراء أيضا تزيد وإن لم يكن بالتوازي، ودعني أؤكد أنه كلما قلت أعداد المنتجين وتوجه المزارعون إلى حرف أخرى مثل قيادة “التوك توك” وزادت أعداد المستهلكين اختلت المعادلة بين الإنتاج والاستهلاك، وزاد الضغط على الاستيراد من الخارج وبالتالي زادت حاجتنا للعملة الصعبة، وهو ما يؤدي لمشاكل فادحة نحن في غنى عنها، لذا فالأولى أن تدعم الدولة مزارعيها وأن يزيد عدد المنتجين بأي شكل لا أن تقل أعدادهم، حتى لو اضطرت الحكومة لأن تخسر “بمزاجها” في مقابل زيادة أعدادهم.. هذا الكلام ليس من عندي أو محض اختراعات وإنما كل الدول المتقدمة تدعم مزارعيها، لأنه لا يجب أبدا أن يخرج المزارع من حلبة الإنتاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *