رأى

متي يتغير”الوجه الذي لا يتغير”؟

د/حسان محمد النبوي

بقلم: د.حسان محمد النبوي حجازي

مر عقدين من الزمان على اقتنائي لمجموعة الزعيم القصصية قبل أن أقرأها؛ حقيقة لم أكن أميل كثيراً إلى مطالعة المطبوعات الأدبية إلا أني اشتريتها بثمن زهيد من أحد معارض الكتب بـقصر الثقافة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي لكنها ظلت حبيسة رف مكتبتي فترة طويلة من الزمن تجاوزت العقدين، إلى أن دفعني الملل لمطالعتها، عندئذ عرفت كم فقدت من لحظات تأمل تملكتني عند قراءة هذه المجوعة القصصية.

 لعل أكثرها روعة وتعبيراً عن واقع مؤلم لم يتغير على مدى قرون من الزمان قصة “السيد م مم وحكايته مع الوجه الذي لا يتغير” ذلك الوجه الذي شغل حياته منذ التقائه لأول مرة في صباه حتى لحظات حياته الأخيرة. ذلك الوجه النحيل الأسمر والتي تظهر قسماته كم يتحلى صاحبه من جلد؛ لقد دفعته صعوبة بيئته المعيشية، وفقرها اقتصادياً للخروج منها سعياً وراء لقمة العيش؛ ممتهناً أصعب الأعمال وأشقها على الأطلاق، فلا يوجد طريق معبد أو خط سكك حديدية لم ينل من جهده وسال فوقه عرقه ودمه، ولا ننسى سخرة قناة السويس في عهد سعيد باشا والي مصر، كم من مدرسة ومشفى بناه بسواعده، وكم من أرض جدباء أحياها بفأسه؛ لكن الأمر لم يقتصر على ذلك بل أرتحل بعيداً عن كل وطنه نحو الخليج شرقاً وليبيا غرباً بحثاً عن كسب ما يقتات به ويعول عائلته.

ظل الصعيد مهمشاً لفترات طويلة عن قصد في عهد الاستعمار بسبب ممانعة وصلابة أهله في مواجهة أعتى قوى الظلام الإمبريالي (فرنسا ثم بريطانيا العظمى) إلا أن أستمر الوضع إلى الآن لأسباب اختلفت لكن المحصلة واحدة تهميش وفقر وتخلف تنمية؛ مقابل استئثار المركز(القاهرة والاسكندرية) بنصيب الأسد من التنمية والتحديث الأمر الذي أدي إلى تدفق تيار من الهجرة التي لم تنقطع من ريف وصعيد مصر إلى الحضر وبخاصة العاصمة والميناء مما تسبب من مشكلات جمه أشهرها على الإطلاق انتشار العشوائيات، بل تعدى الأمر إلى سكنى المقابر.

لم ينل الصعيد الاهتمام الكافي من الدولة المصرية وإن امتدت إليه بعض المشروعات إلا أنها لم تغير كثيراً من البؤس والفقر الذي يعاني منه الصعيد وخاصة ما يطلق عليه الصعيد الجواني حيث تدني الخدمات والمرافق لدرجة تجعل أبسط الاحتياجات الانسانية من تعليم وصحة شبه منعدمة في كثير من قراه ونجوعه؛ ومحافظات الصعيد ليست بلا موارد أو إمكانات تنموية بل على العكس ولعل أهم مورد تنموي بها هو الإنسان المواطن الصعيدي نفسه الذي نشر الخير والنماء في كل مكان ذهب إليه في مصر وخارجها بفضل جلده وقوة تحمله للصعاب وظروف المعيشة القاسية.

المشكلة تتمحور حول التهميش وعدم الالتفات إلى ذلك الجزء العزيز من الوطن ومواطنيه؛ فلم يحظى بالتخطيط السليم للتنمية وفق رؤية تنموية شاملة تحدد احتياجاته وأوليات التنمية بمراكزه وقراه وعلى رأسها الصحة والتعليم والمواصلات، والاستفادة من الإمكانات المتوفرة بهمن آثار وموارد سياحية هائلة لا مثيل لها في العالم، وبحيرة صناعية ضخمة تحوي ثروة سمكية هائلة لم تستثمر مواردها جدياً حتى الآن.

ولعل أكثر ما يمكن أن يعالج مشكلة البطالة ويساعد بشكل كبير في امتصاص الفائض من قوة العمل في قرى الصعيد المشروعات الصغيرة، والتي من خصائصها تكثيف اليد العاملة بتكلفة قليلة جداً بشكل يفوق تكلفتها بالمشروعات الاستثمارية الكبرى، إضافة إلى استخدامها الموارد والخامات المتاحة على المستوى المحلى داخل القرى سواء كانت نباتية أو حيوانية مما يعطي قيمة مضافة كبيرة لتلك الخامات عما لو بيعت دون تصنيع، كما تمكن المشروعات والصناعات الصغيرة من تنمية الحرف اليدوية والبيئية التي تشتهر بها محافظات الصعيد. كل ذلكي جعل قرى الصعيد تتحول من موطن طرد لسكانه إلى موطن جذب لآخرين من خارجه.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى