متبرع واحد ومئات الأطفال: قصة جين سرطاني كشف ثغرة خطيرة في الطب الإنجابي

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
كشفت تقارير صحفية دنماركية عن واحدة من أخطر القضايا الأخلاقية في تاريخ الطب الإنجابي الحديث، بعدما تبيّن أن متبرعًا بالحيوانات المنوية يحمل طفرة جينية نادرة تزيد من خطر الإصابة بالسرطان، أسهم في إنجاب ما يقارب 200 طفل حول العالم خلال 16 عامًا.
المتبرع، المعروف باسم مستعار، كان حاملًا لطفرة نادرة في جين TP53، وهو أحد أهم الجينات المسؤولة عن منع تحوّل الخلايا إلى خلايا سرطانية، دون أن تظهر عليه أي أعراض مرضية. غير أن الطفرة وُجدت في جزء من حيواناته المنوية فقط، ما جعل اكتشافها بالغ الصعوبة عبر الفحوصات التقليدية.
بين عامي 2006 و2022، استُخدمت عينات المتبرع في 67 عيادة خصوبة في 14 دولة، وأسفرت عن ولادة 197 طفلًا على الأقل، بينهم 99 طفلًا في الدنمارك وحدها. ولم تُكتشف الخطورة إلا بعد تشخيص أكثر من طفل وُلد عبر هذا التبرع بإصابتهم بالسرطان.
ورغم إجراء فحوصات جينية بعد أول بلاغ في عام 2020، فإن الاختبارات لم تكشف الطفرة في البداية، ما سمح باستمرار استخدام الحيوانات المنوية لعدة سنوات إضافية. ولم يُوقف التبرع نهائيًا إلا في أواخر عام 2023، بعد تأكيد وجود الطفرة عبر اختبارات أوسع.
وسلّطت القضية الضوء على فراغ قانوني دولي خطير، إذ لا توجد تشريعات عالمية تحدد عدد الأطفال الذين يمكن لمتبرع واحد إنجابهم عبر الحدود، رغم وجود قيود محلية في بعض الدول الأوروبية. وقد دفع ذلك بنك الحيوانات المنوية الأوروبي لاحقًا إلى تحديد سقف أقصى لعدد العائلات لكل متبرع.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة أخلاقية وعلمية عميقة حول:
• كفاية الفحوصات الجينية الحالية
• مسؤولية بنوك الحيوانات المنوية تجاه المتابعة طويلة الأمد
• ضرورة سنّ تشريعات دولية تحمي الأجيال القادمة
وفي زمن أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على نشر جين واحد عبر قارات بأكملها، لم يعد التحدي في ما يمكن للعلم فعله، بل في كيف ومتى وتحت أي رقابة يجب أن يُستخدم.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



