صواريخ إيران وخداع دول الخليج

بقلم: د.أسامة بدير
يبدو لي أن دول الخليج، من قطر إلى البحرين، مروراً بالإمارات والكويت، قد اجتمعت على تمرير أحدث عروض المسرح السياسي خلال الحرب التي دارت رحاها خلال الساعات الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران.. بيانات رسمية تؤكد أن دفاعات دول الخليج تصد “الصواريخ الإيرانية” التي تهدد سيادتها.
المشهد أشبه بفيلم هوليودي، حيث كل الرادارات تلمع، وكل الجنود في استعداد دائم، بينما الحقيقة البسيطة تتجاهلها البيانات: الصواريخ لا تتجه إليهم إطلاقاً، بل هي في طريقها إلى قواعد الأمريكيين أنفسهم في دولهم! لكن، لا بأس، فلنسمح لهم بالعيش في فانتازيا الدفاع عن الوطن، طالما أنها تكلف الأمريكيين مليارات إضافية من جيوب دافعي الضرائب.
هل تعتقدون حقاً أن الصواريخ تهدد سيادتكم؟ الحقيقة أنكم مجرد ممثلين في مسرحية أمريكية ضخمة، حيث كل دولار يُنفق على الصواريخ وأنظمة الدفاع يعود مباشرة إلى جيوب شركات الأسلحة الأمريكية، وأنتم تدفعون الثمن بأموالكم وسمعتكم. هذه الدعاية البراقة تصوركم أبطالاً تدافعون عن أوطانكم، بينما في الواقع أنتم مجرد مراقبين على مسرحية “حماية الآخرين على حساب أنفسكم”، وسيادتكم مجرد ورقة تلعب بها الولايات المتحدة حسب مصالحها.
وماذا عن التناقض الصارخ؟ إذا كنتم تملكون جيشاً مزوداً بالدفاعات الصاروخية التي تصد الصواريخ الإيرانية، فلماذا تسمحون بإقامة قواعد أمريكية على أراضيكم لحمايتكم؟ كل الكلام عن الدفاع عن السيادة يصبح مجرد مسرحية، بينما الواقع يثبت أن حماية هذه الدول في النهاية مرهونة بالقوة الأمريكية، وأن كل شعارات الاستقلال العسكري ما هي إلا قناع لتبرير وجود القوات الأجنبية وتهيئة الرأي العام لتقبل الانبطاح تحت مظلة “الحماية” المكلفة.
الدراما تتصاعد حين نتذكر أن حكومات الخليج، بدلاً من الاستثمار في شعوبها أو اقتصادها، اختارت أن تُحول نفسها إلى حماة متطوعين لقواعد أجنبية. كل تقرير رسمي عن “الصد الرائع للصواريخ” يكاد يكون إعلاناً تجارياً للشركات الأمريكية، بينما المواطن الخليجي يشاهد اقتصاده يتآكل وأسعار المعيشة ترتفع. إنهم جنود في حرب لم يبدؤوها، تحت قيادة مجنون بدأها بنفسه، واسمه أصبح علامة تجارية للجنون السياسي، ترامب الإرهابي.
وللأسف، الواقع القادم لا يبدو مشرقاً لأهل الخليج ولا المنطقة ولا العالم. الأمريكيون، الذين ظلوا يستفيدون من كل هذا الإنفاق والتضحيات، سيتركونهم لمصيرهم عند أول أزمة كبيرة أو صراع دولي حقيقي. إنهم على وشك اكتشاف أن الدرع الصاروخي لا يحمي إلا جيوب من خططوا وأداروا هذه المسرحية، وأن الحكومات الخليجية ستجد نفسها في مواجهة تداعيات حرب بدأها الأمريكيون ولا يهمهم فيها إلا مصالحهم.
في النهاية، يمكنني القول إن أساطير الدفاع الصاروخي في الخليج ليست إلا كوميديا سوداء: حكومات تدفع وتضحي، بيانات رسمية تزين الوهم، أمريكيون يجنون الثمار، وشعوب الخليج على موعد مع صدمة سيكتشفون فيها أن الأوهام لا تصنع الأمن، وأن السيادة الحقيقية لا تُشتري بالدولارات، ولا تُؤمن بصواريخ موجهة بالأساس إلى الآخرين. القصة مؤلمة، لكنها، للأسف، حقيقة قادمة لا مهرب منها.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.




الأستاذ الدكتور المحترم/ أسامة بدير
تحية طيبة وبعد،
قرأت مقالكم المعنون “صواريخ إيران وخداع دول الخليج” المنشور بتاريخ 28 فبراير 2026، وأود أن أعبر لسيادتكم عن بالغ إعجابي بما تضمنه من طرح عميق وتحليل جريء يكشف أبعادًا سياسية واستراتيجية شديدة الحساسية في توقيت بالغ الدقة.
لقد جاء المقال رائعًا للغاية في قدرته على تفكيك المشهد السياسي والعسكري، وكشف التناقضات بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي، بأسلوب يجمع بين السخرية السياسية الراقية والتحليل الموضوعي المدعوم برؤية استراتيجية واضحة. وقد لفت انتباهي بشكل خاص ربطكم بين ما يجري حاليًا وبين السياق التاريخي الأوسع، وهو ما أعاد إلى الأذهان طرح المفكر السياسي الكبير محمد حسنين هيكل حول فكرة الاحتكاك السياسي بإيران، ثم محاولة ضربها عقب تمردها على الخطة الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على الشرق الأوسط بالشراكة مع إسرائيل وتركيا، خاصة بعد عام 1979.
إن هذا الربط بين الماضي والحاضر يثري النقاش ويمنح القارئ فهمًا أعمق لجذور الصراع، بعيدًا عن السرديات السطحية أو التفسيرات الآنية. كما أن تساؤلاتكم حول مفهوم السيادة والاستقلال العسكري في ظل الوجود الأجنبي تمثل محورًا فكريًا مهمًا يستحق التوقف والتأمل.
أشكركم على هذا الطرح الواعي والمسؤول، وأتطلع إلى المزيد من مقالاتكم وتحليلاتكم التي تثري الفكر السياسي العربي وتفتح آفاقًا جديدة للنقاش.
وتفضلوا بقبول خالص الاحترام والتقدير،
إيهاب محمد زايد