آخر الأخبار

زراعات نخيل التمور.. تحديات وآمال

كتب: د.عادل أبوالسعود يعد نخيل التمر أو ما يسمي بـالبلح في مصر (وهي من حيث اللغة العربية مردافات لنفس المعني أو تعنى مرحلة الثمرة فى مرحلة الخلال خاصة لأصناف المجموعة الطرية) أحد المحاصيل الاقتصادية الهامة في مصر.

أ.د/عادل أبوالسعود

زراعات النخيل والمناخ

يوجد عشرات الأصناف المحلية التي تندرج تحت مجموعات النخيل الثلاثة الرطبة أو الطرية، النصف جافة، ثم الجافة لاتساع المدي الحراري لمصر بين خطي عرض 20 و30 شمال خط الاستواء. وبالتالى ملائمة المناخ المصرى لجميع اصناف النخيل حيث تقع مصر بين خطى عرض 22 و32 شمال خط الاستواء.

مع الأخذ فى الاعتبار إمكانية الزراعة فى مدى أوسع بين خطى عرض 10 و40 وهو مايفسر ظهور زراعات النخيل فى عدد من البلدان الأخرى حول العالم مثل جنوب اسبانيا، شمال نيجيريا، نامبيبا، بيرو، المكسيك، وجنبو الولايات المتحدة الأمريكية، وحديثا تايلاند حيث الأصناف الطرية.

نخيل البلح في مصر

تزرع مصر ما يزيد على 15 مليون نخلة كما تتصدر مصر الإنتاج على المستوى العالمى للتمور بما يقرب من 1,7 مليون طن تمر (بلح) سنويا صدرت فقط 50 ألف طن تقريبا في 2018 كلها تقريبا من الصنف السيوي. وتهدف الخطة الاستراتيجية لمصر فى العشر سنوات المقبلة إلى زيادة الصادرات إلى 200 ألف طن اعتمادا على التوسع الأفقى فى زراعة الأصناف العربية ذات الطلب العالمى مثل البرحى، المجدول، الصقعى، الخلاص وغيرها.

أيضا رفع إنتاجية وتحسين جودة التمور المزروعة من خلال الممارسات البستانية الجيدة. الاهتمام بمكافحة الأفات وعلى رأسها السوسة الحمراء لخفض نسب الإصابة. تأهيل المصانع وتدريب المصنعين وإنشاء المخازن المبردة. دعم استخدامات منتجات التمر المختلفة فى الغذاء والتصنيع لتقليل الفاقد وتنشيط التسويق بهدف زيادة الدخل.

من المعلوم لدي الجميع عدم استحباب زراعة الصنف الواحد monoculture system لكن ينبغي توخي الحذر نحو زيادة مساحات صنفي البارحي والمجدول والأصناف الاخري علي حساب صنف السيوي الذي طالما ما تميزت به مصر. كما انه المستقبل الحقيقي حيث لا ينافس مصر فيه احد علي عكس باقي الأصناف والتي من المتوقع انخفاض اسعارها لاحقا مع زيادة المعروض.

وعليه يوصي بالتوسع الرأسي في صنف السيوي وزيادة إنتاجية الأشجار وتحسين جودة الثمار للحصول على سعر أعلى عند التصدير، وسوف نتعرض لاحقا لكيفية تحقيق ذلك بداية من إنشاء المشتل وإعداد الأرض وتوصيات العمليات البستانية فى ظل التطورات الأخيرة من اصابات بالآفات وتغيرات فى المناخ وحتى الوضع الحالى للتسويق.

الواحات البحرية والنخيل

تعتبر الواحات البحرية ثاني أكبر منطقة تنتج ثمار صنف السيوي في مصر بعد الوادي الجديد (وقد يعرف بالصنف الصعيدي هناك). بدأ التوسع في زراعة الصنف السيوى في الواحات البحرية منذ ثمانينات القرن الماضي حتي وصل ذروته في الآونه الأخيرة مع اهتمام الدولة بتطوير صناعته لتوفر مياه الري والطلب للتصدير. يقف في طريق تنمية تمر الواحات البحرية عدد من المعوقات أدت إلي تباين الإنتاجية وإنخفاض جودة الثمار، وزيادة الفاقد.

تحديات تواجه زراعات نخيل التمور

إن حصر نقاط الضعف الرئيسية التي تم حصرها خلال السنوات الأخيرة فى مصر لعدد كبير من مزارع النخيل والتداخل مع المزارعين بالتدريب والتوعية وعرض اهم التوصيات ونتائج الأبحاث المحلية والدولية للتغلب عليها، ونذكر منها على سبيل المثل لا الحصر الممارسات البستانية الخاطئة فى الواحات البحرية مثل الزراعة الكثيفة، أقل من 9 م بين الأشجار، التقليم الجائر للأوراق، الإسراف في التسميد العضوي وإهدار الأسمدة الكيماوية اثناء الموسم، ما أدي إلي اتجاه الأشجار لتبادل الحمل وإنتاج رواكيب علي حساب الناتج من المحصول. عدم حماية الثمار من الإصابة بالآفات خلال نموها ونشرها في الشمس، نقلها وتخزينها. تباين جودة الأراضي من حيث الملوحة نتيجة الزراعة علي سفوح التلال، والانتشار الرهيب لحشائش العقول والقصب.

ازداد الأمر سوأ في الثلاث سنوات الأخيرة مع ظهور الإصابة بـثاقبة العراجين والتي لا يخلو من الإصابة بها بستان الموسم الحالي، ما تسبب في جفاف سوباطة أو أكثر علي النخلة الواحدة أثناء نموها في مرحلة الخلال الأخضر والأصفر.

ناهيك عن الإصابة في السنوات الأخيرة بـالسوسة الحمراء والرش العشوائي بالمبيدين ملاثيون المحظور والكلوروزان دون جدوي. ضعف الإرشاد الزراعي في تدريب وتأهيل صغار المزارعين.

روشتة علاج

يعمل الأغلبية علي تلافي كل تلك التحديات والمشاكل سالفة الذكر، بل ويوصي بدعمهم رمزيا ببعض التطبيقات قليلة التكلفة والتي تحافظ علي البيئة وتحد من تلوث الثمار مثل استخدام كروت طفيل التريكوجراما وأسد المن للتخلص من بيض ويرقات جعل النخيل والأفستيا، مع إتباع سبل المكافحة المتكاملة للسيطرة علي الإصابة بالسوسة الحمراء. وأيضا الحد من زيادة الأصابة بالإفستيا اثناء تجفيف الثمار تحت أشعة الشمس في المنشر.

هذا وتمثل الإصابة بدودة البلح الإفستيا منذ القدم احد اسباب تدهور ثمن الصنف السيوي في الأسواق الخارجية علي الرغم من طعمه المميز. أيضا توزيع نماذج بسيطة من الأغطية الشبكية لحماية الثمار أثناء النضج وتقليل الفاقد، فضلا عن تدريب المزارعين علي الاستفادة من مخلفات النخلة كسماد عضوي.

التعاون بين الدول المنتجة للتمور

ولعل مبادرة التعاون مع الدول الشقيقة التي علي أثرها يتم الآن بناء ثلاجات لتخزين الثمار لفترات أطول بشري سارة لدعم وتيرة تنمية تمر الواحات البحرية، وزيادة النافذة التصديرية.

من النقاط الإيجابية التي يجب تنميتها هي إنتشار زراعة صنفي البرحي العراقي، والمجهول (المجدول كما يطلق عليه في ‏مصر) المغربي لمصر. نخلة البرحي تصلح للزراعة في جميع مناطق مصر وذات إنتاجية عالية تصل الي 200- 250 ‏كيلوجرام/النخلة/العام عمر 8 سنوات في المتوسط. العامل الثالث هو طعمها السكري ولحمها القليل ‏الألياف (مقارنة بالزغلول، السماني المصريان).

مستقبل أصناف النخيل

اعتقد ان كثيريين سوف يتفقون معي انه صنف المستقبل في ‏مصر علي المستوي المحلي. أما المجدول فيمكن زراعته في طريق اسماعيلية الصحراوي ـ الاسكندرية مع حاجة ‏إلي تجفيف بعد الحصاد او تصويم للأشجار لمدة 3 اسابيع تقريبا قبل الحصاد.

لا يزرع في الجيزة او الفيوم وتبدأ ‏زراعته من محافظة المنيا وتجود في جنوب مصر. ينبغي دعم عمليات الجودة لهذا الصنف حيث انه المستقبل في ‏التصدير. ليس فقط هذا فيجب تنويع الزراعة حتي لا تقتصر في المستقبل القريب علي ثلاثة اصناف سيوي، ‏برحي، مجدول. تجود كثير من التمور العربية خاصة النصف جافة والجافة بداية من قنا والأقصر خاصة الصنف ‏خلاص، صقعي. إذا ما أردنا التطوير في تلك النقطة نبدأ بتوفير شتلات الأنسجة (المتاح علي المدي القصير، ‏والأمن) باسعار بسيطة. تطوير زراعة انسجة النخيل والإعتماد علي من كان لهم تجارب إنتاجية سابقة.

وإن لم ‏يكن فيمكن التعاقد عليها من الخارج. الاستفادة من تجارب المزارع الرائدة في تعريف المزارعين في كل منطقة ‏ببرنامج التسميد، الري، المكافحة، العمليات البستانية، الحصاد لباقي المزارعين في المنطقة لتعميم الفائدة. إنشاء ‏موقع علي النت ضخم يضم قاعدة للمعلومات يتم تطويرها بشكل شبه أسبوعي (يلزم تمويل ـ للتدشين والإدارة ‏والفريق المعاون لجمع المعلومات بدقة) يكون سوق للجميع للتعلم – عقد الصفقات – الإحاطة بكل جديد. أيضا حتي ‏يعرف السوق العالمي عن التمور المصرية بسهولة. لذا لزم باللغتين العربية والإنجليزية.

المكافحة المتكاملة للآفات التي تسبب ضرر يتجاوز الحد الاقتصادي الحرج للمحصول وهي سوسة النخيل الحمراء، جعل النخيل (ثاقبة عراجين النخيل)، ثم الأفستيا. يجب وضع خطة متكاملة علي مستوي الجمهورية وتنظيم حملة قومية للسيطرة علي تلك الآفات. فـالسوسة الحمراء انتشرت في كامل ارجاء القطر تقريبا. لا زال هناك الكثير من المزارعين لا يعرفون إلا اسمها وبذلك تصبح بؤر لمعاودة الإصابة في المزارع الأخري. والبعض الأخر من المزارع تختلف طرق المكافحة، والتي معها يتم الإسراف في المكافحة الكيماوية، وأهدار المال والجهد. أما ثاقبة العراجين التي تسبب قطع جزئي اوكلي في عنق سوباطة الثمار بعد العقد بعدة شهور ومعها يقل المحصول.

زراعات النخيل والتغيرات المناخية

لم يسلم النخيل فى مصر من التأثيرات الأخير لتغير المناخ التى اثرت على مناحى الحياة شتى فى العالم وكان ‏الأثر واضحا على النخيل فى مصر فى السنوات الأخيرة. فنجد الصنف “فريحي” فى واحة سيوة فى عام 2015 ‏اصيب بجفاف الثمار على الأشجار فى مراحل متأخرة من نمو الثمار وقبل الحصاد نتيجة هبوب عاصفة رياح ‏ساخنة لمدة اسبوعين.

أصبحت في السنوات الثلاث الأخيرة خطر داهم يتهدد التوسع الرأسي وزيادة المحصول. هل كانت موجودة من في السابق ونتيجة لتغير الظروف المناخية في السنوات الأخيرة ازداد نشاطها ومن ثم تضخم ضررها للحد الاقتصادي؟ هل عدم تطبيق المكافحة المتكاملة ادي الي زيادة خطرها؟ سؤال ينبغي علي الزملاء في مجال الوقاية دعم سلسلة القيمة بالرد عليه ومن ثم التوصية بتطبيق حلول ناجعة.

برنامج وطني للمكافحة

اما الأفة الثالثة والتي تسبت ولا تزال في ضياع كثير من سمعة الصنف السيوي (الصعيدي) في الأسواق العالمية، بل تحول دون تطور الاستهلاك في السوق المحلي، الإفستيا. سواء كانت بقايا تغذيتها أو ما تبقي منها نتيجة التبخير قبل التصدير. وعليه انخفاض سعر السيوي. علي الرغم من وجود طلب عالمي متزايد عليه.

يجب علينا التوصية بوضع برنامج قومي للمكافحة بالطرق الحيوية باستخدام التريكوجراما وأسد المن، والبستانية باستخدام تغطية السوباطات بالشبك عند بداية تلوين الثمار. فضلا عن اي وسائل جديدة ممكنة للحد من الإصابة قبل الحصاد والتخزين؟ هل تم تمويل بناء معامل بمناطق زراعة النخيل الرئيسية في مصر لتزويد المزارعين بهذه الطفيلات والمفترسات؟ هل تم تصميم أكياس مناسبة لكل صنف وكل منطقة وكل حجم سوباطة حتي يتم المزارعين بها لحماية الثمار وتقليل الفاقد منها؟ الممارسات البستانية الخاطئة، والتي تؤثر علي تفعيل كثير من الممارسات الأخري لإرتباطهم الوثيق ببعض. والتي نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر:
⦁ الإسراف في التسميد النتروجيني سواء من مصادر عضوية او كيماوية مما أدي الي ليونة انسجة الاشجار مما أدي لتكسر الأوراق وقلة المحصول للنمو الخضري علي حساب الإثمار.

⦁ حصاد الثمار يتم بطرق بدائية تؤدي الي زيادة الفاقد من الثمار في الواحات البحرية، تلوث الثمار بالأتربة والرمال عند تجفيف الثمار في أسوان، تلوثها بالكيماويات وانخفاض جودتها نتيجة استخدام المبيدات الفطرية لمنع تلف الثمار كما يحدث في الصنف البرحي.

أيضا إزدادت الإصابة بثاقبة العراجين فى الواحات البحرية منذ ثلاث سنوات مما ادى إلى ‏ازدياد الأصابة كل عام وجفاف بعض السوباطات على النخيل نتيجة قطع فى قاعدة العذق فى شهر يوليو. لذا سوف تتعرض النشرة الحالية لأهم التوصيات نحو تنمية النخيل فى الواحات البحرية.

انخفاض ‏درجات الحرارة اثناء موسم الشتاء وطوله أخر من خروج النورات الزهرية مما ادى لخفض فى المحصول نتيجة ‏ضعف العذوق التى ظهرت باخر الموسم. مما يتطلب معه وضع الخطط لمجابهة تأثير التغيرات المناخية على ‏نخيل التمر والثمار فى مصر. ‏

ولتطوير سلسلة القيمة يجب وضع ايدينا علي الأوجاع الرئيسية والتركيز عليها كضرورة قصوي وخطة علي المدي القصير لتحقيق طفرة في مجال التمر في مصر. وأري ان الظروف مواتية الآن للقيام بذلك. وفي تلك الأثناء أو بعدها علي المدي الطويل يمكن وضع الخطط البراقة والمتأنية للتطوير الشامل المنتظر.

*معد التقرير: أستاذ النخيل والفاكهة الإستوائية وكيل معهد بحوث البساتين لشئون البحوث بمركز البحوث الزراعية – مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عاجل