حين سقطت قيمة الجيرة.. وصايا محمد ﷺ تُدهس تحت أقدام سوء الأدب

بقلم: د.أسامة بدير
لم يكن المجتمع المصري في أي يوم من الأيام غريباً عن قيم الشهامة والاحترام المتبادل. الجيرة كانت يوماً عقداً أخلاقياً غير مكتوب، يحفظ للناس حقوقهم قبل أن تحميها القوانين، ويصون الهدوء قبل أن تنظم ذلك الدولة. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن انحدار مؤلم في تعامل بعض الجيران، حتى باتت أبسط الحقوق تُنتهك بلا خجل، وبلا أدنى إحساس بوجود بشر يشاركونهم نفس السقف ونفس الهواء ونفس الشارع.
ليس غريباً أن نشعر بالمرارة حين نقارن الواقع اليوم بما أوصى به سيدنا محمد ﷺ، حين جاءه جبريل عليه السلام يوصيه بالجار مرة بعد مرة، حتى ظن الصحابة أنه سيورثه. أي مكانة تلك التي أعطاها الإسلام للجار؟ وأي سقوط أخلاقي هذا الذي جعل بعض الناس يتجاهلون وصية نبوية حملها أمين الوحي من السماء إلى الأرض؟ إن ما نراه اليوم من تجاوزات لا يعبر عن خلافات شخصية، بل عن أزمة قيم أصابت نسيج المجتمع في العمق.
لقد تحولت بيوت كثيرة إلى ساحات إزعاج، وممرات العمارات إلى ميادين فوضى. البعض فقد الذوق والأدب والحياء، وصار يمارس أفعالاً مؤذية لا تعرف الحدود: صراخ متواصل، أصوات موسيقى صاخبة، تجمعات ليلة تمتد للساعات الأولى من الصباح، تعدٍّ على الخصوصيات، ورمي القمامة بلا مبالاة. الأسوأ من ذلك أن بعض الجيران لا يتورعون عن استخدام التهديد والعنف اللفظي والجسدي، في سلوكيات أقرب للإجرام منها لأي قيمة إنسانية.
وما يزيد الطين بلة أن هذه التصرفات لم تعد مجرد حالات فردية، بل أصبحت تتكرر في مناطق كثيرة، حتى كادت تهدد استقرار المجتمع. فالجار السيئ ليس مجرد مصدر إزعاج، بل مصدر توتر دائم، يفسد السكينة، ويزرع القلق، وقد يحول حياة أسرة كاملة إلى جحيم لا يطاق. نحن أمام ظاهرة تنخر في أساس المجتمع، لأن استقرار البيوت هو بداية استقرار الوطن، وعندما يختل هذا الأساس يصبح كل شيء معرضاً للانهيار.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد سوء تربية، بل هو انحطاط حقيقي في الأخلاق، وتجرؤ على الحقوق، وتجاهل تام لوصايا النبي ﷺ. إننا أمام سلوكيات لا يمكن تبريرها ولا الصمت عنها، لأنها تهدد الأمن الاجتماعي، وتزرع الكراهية بين البشر، وتعيدنا إلى زمن الفوضى والعشوائية. إن المجتمع الذي لا يحترم الجار مجتمع فقد جزءاً من روحه، وفقدان الروح هو أخطر صور الانهيار.
لقد بات واضحاً أن القيم وحدها لم تعد كافية لضبط سلوك بعض الناس. ما لم يُفعل القانون بصرامة، سيستمر البعض في الاعتداء على حقوق غيرهم تحت غطاء الغفلة أو التهاون. نحتاج إلى تشريعات تُطبق بحزم لحماية البيوت من الضجيج، وحماية الشوارع من الفوضى، وضمان حد أدنى من الهدوء والاحترام بين السكان.
إن الضجيج الذي يملأ الشوارع ليلاً ونهاراً لم يعد مجرد إزعاج، بل أصبح اعتداءً صريحاً على الصحة النفسية والجسدية. الضوضاء أزمة أمن مجتمعي لا تقل عن أي جريمة أخرى، لأنها تؤثر على النوم، وعلى راحة المرضى، وعلى استقرار الأسر. وعلى الدولة أن تتعامل معها بنفس الجدية التي تتعامل بها مع أي تهديد آخر.
يجب تفعيل قوانين تنظيم استخدام مكبرات الصوت، وضبط السلوكيات المزعجة في المناطق السكنية، وتغليظ العقوبة على من يعتدي على راحة جاره، سواء بالضجيج أو بالإساءة أو بالاحتكاك العمدي. لا يمكن أن تسير الحياة طبيعياً في بلد يتعرض فيه الناس للإهانة والضيق داخل بيوتهم نفسها، دون حماية فعالة تُعيد لهم حقهم الطبيعي في السكينة.
وأخيراً، على المجتمع نفسه أن يستيقظ. الحل ليس بالقوانين وحدها، بل بإحياء قيمة الجيرة التي أوصى بها رسول الله ﷺ. يجب أن نعيد بث الوعي، ونرسخ فكرة أن احترام الجار ليس فضلاً بل واجباً، وأن السلوكيات المؤذية ليست “تفاهات” بل جرائم أخلاقية تهدد سلام المجتمع. إذا لم نحافظ جميعاً على هذه القيمة، فإننا سنترك فراغاً أخلاقياً خطيراً سيدفع الجميع ثمنه.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.




هذا النص الذي كتبته حضرتك ـ ويشهد الله ـ يلمس وترًا عميقًا في حياة المصريين اليوم، لأنه لا يناقش شكوى فردية، بل يعالج شرخًا قيمياً يزداد اتساعًا في مجتمع عاش قرونًا على قاعدة ذهبية: “الجار قبل الدار”. وقد نجحت في تحويل هذه القضية من مجرد انطباع اجتماعي إلى تحليل أخلاقي وإنساني وسياسي يضع القارئ أمام مسؤوليته.
لقد أصبت حضرتك في تشخيصك حين وصفت ما يحدث بأنه ليس “سوء تربية عابرًا”، بل سقوطٌ قيميّ حاد ضرب أساسات التعايش بين الناس. فالتحول الذي أشرت إليه ليس شكوى موسمية، بل ظاهرة تتسع، وتدل على خلل في منظومة جرى تهميشها عبر السنوات:
منظومة الأدب، الذوق، الحياء، واحترام حدود الآخرين.
ولفتني في طرح حضرتك استحضارك لوصية النبي ﷺ بالجار، وهو ربط في محله، لأن الأزمة ليست أزمة قوانين فقط، بل أزمة ضمير وانقطاع عن الأصل الأخلاقي الذي وحّد الناس وجعلهم مجتمعًا متماسكًا. فحين يتجاهل الناس وصية ربانية حملها جبريل، فمن الطبيعي أن ينهار ما دونها.
أوافقك كذلك على أن الضجيج والفوضى ليست “إزعاجًا”، بل اعتداء حقيقي على الصحة النفسية، مثلما أن الاعتداء الجسدي هو جريمة. العالم كله اليوم يتعامل مع الضوضاء كـ”ملوث قاتل”، والعديد من الدول تعتبرها سببًا مباشرًا لأمراض القلب والأعصاب واضطرابات النوم. ونحن — للأسف — نعيش في بيئة أصبح فيها الهدوء “رفاهية”، والسكينة “استثناءً”، والجيرة “مقامرة”.
كما أن إشارة حضرتك إلى ضرورة تفعيل القانون لم تكن دعوة للعقوبات فقط، بل دفاعًا عن “حق الإنسان في الراحة”، وهو حق أساسي يتقدم على كثير من التفاصيل التي يستخف بها البعض.
ولكن الجانب الأكثر أهمية في رأيي هو أن حضرتك لم تُحمّل الدولة المسؤولية وحدها، بل حملت المجتمع مسؤوليته الأخلاقية. فالقوانين وحدها لا تخلق بيئة محترمة، ما لم يستيقظ الضمير الشعبي ويعيد التمسك بقيمة الجيرة كما كانت: احترام، مراعاة، ونبل.
ارى إن ما يجري اليوم ليس عابرًا، بل نتيجة لعوامل متراكمة:
– انهيار في الذوق العام.
– غياب القدوة في المنزل والمدرسة والإعلام.
– ضغط اقتصادي واجتماعي جعل الناس متوترة ومتشنجة.
– تراجع في “الوعي الجمعي” الذي كان يربط الإنسان بالآخرين لا بنفسه فقط.
لكن رغم كل ذلك…
أؤمن — مثلما تؤمن حضرتك — أن العطب الأخلاقي يمكن إصلاحه إذا أعيد بناء الوعي، وعاد المجتمع ليذكر نفسه بأن الجار ليس “ساكنًا بجوارك”، بل أمانة في رقبتك.
نص حضرتك هنا ليس مجرد رأي…
بل جرس إنذار لمن أراد أن يصحو، ودعوة لإحياء قيمة مقدسة أهملها الناس فاختلت بيوتهم وقلوبهم.