رئيس التحرير

حدثني صديق عن الكفاءات المُهدرة

بقلم: د.أسامة بدير

حدثني أحد أصدقائي المقربين مؤخراً عن حالة من الإحباط والرتابة تعصف به، رغم كفاءته العالية ورؤيته التطبيقية المتكاملة للتطوير والتحديث في مجال تخصصه. كان السؤال الذي وجهه لي صادقاً وبسيطاً في الوقت نفسه: ماذا أفعل؟، لكنه يعكس أزمة أعمق وأكثر انتشاراً في كثير من مؤسسات الدولة، من الوزارات إلى الجهاز الإداري، حيث تتبدد الطاقات والكفاءات تحت وطأة الاستبعاد والتهميش.

ما يلفت الانتباه هنا ليس مجرد إحباط فرد، بل الظاهرة التي تتكرر في عدة قطاعات: وجود كفاءات قادرة على الإبداع والتجديد، لكنها تواجه جداراً من الروتين الإداري، والممارسات التقليدية، والسياسات الضاغطة التي تضعف دور الفرد وتحد من إسهاماته. هذا النمط لا يؤدي فقط إلى إحباط الكفاءات، بل يضعف الأداء المؤسسي، ويعرقل جهود التنمية والتطوير التي تحتاجها الدولة بشدة في مرحلة التحولات السريعة.

رصدت هذه الظاهرة في كثير من الحالات: موظفون لديهم خبرة سنوات، ورؤية واضحة لكيفية تحسين الأداء، يجدون أنفسهم في مواقع هامشية، أو مضطرين لمتابعة إجراءات روتينية دون أي تقدير لمهاراتهم. وما يزيد الطين بلة، هو غياب حوافز واضحة للتفكير الإبداعي والابتكار، مما يدفعهم أحياناً إلى الاستسلام أو البحث عن فرص خارج القطاع الرسمي.

الحل يبدأ من تغيير ثقافة الإدارة نفسها: ضرورة الاعتراف بالكفاءات وتفعيل دورها، وتحويل الرؤية الفردية إلى برامج عملية قابلة للتطبيق، مع وضع آليات متابعة واضحة تمنع التهميش وتكافئ المبادرات. كما أن القيادة يجب أن تكون أكثر قرباً من فرق العمل، تسمعهم، وتشركهم في صنع القرار، لأن نجاح المؤسسة لا يرتبط بالهيكل الإداري فقط، بل بالطاقات البشرية التي تحركه.

لقد أصبحت رسالتي واضحة لكل من يشعر باليأس: الكفاءة لا تُقاس بالموقع الذي تشغله، بل بما تقدمه من إسهامات حقيقية. لكن الدولة ومؤسساتها لن تستفيد من هذه الكفاءات إلا إذا وجدت الإرادة الحقيقية لتحرير الطاقات، وكسر قيود الروتين، وتشجيع الإبداع على كل المستويات. حينها فقط، سيجد الموهوبون مكانهم الطبيعي، وسيزدهر الأداء المؤسسي، وتصبح التطورات والتحديثات ليست مجرد رؤية نظرية، بل واقعاً ملموساً.

إن ما حدث مع صديقي ليس حالة فردية، بل انعكاس لواقع يحتاج إلى وعي جماعي وإصلاح إداري حقيقي. وكمحلل وراصد لهذه الظاهرة، أرى أن إدراكنا لهذه المشكلة هو أول خطوة نحو حلها، فالاعتراف بالموهوبين ودعمهم ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تعقيبًا على ما طرحه د. أسامة بدير حول إحباط الكفاءات في المؤسسات:

    ما يصفه الكاتب ليس مجرد حالة فردية، بل هو مشهد متكرر في مؤسسات الدولة، حيث تُهمَّش الطاقات الحقيقية، ويُستبعد أصحاب الرؤى، بينما يستمر الروتين الإداري في خنق الإبداع وإعاقة التطوير.

    لقد شاهدت بنفسي، خلال سنوات عملي كيف تُهدَر العقول، لا لقصور فيها، بل لغياب منظومة مؤسسية تعرف قيمتها. كثيرون يملكون الخبرة والكفاءة والقدرة على الإضافة، لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين بين ممارسات تقليدية لا ترى أبعد من الورق، وقرارات فردية تُقصي كل من يملك رؤية مختلفة.

    الأزمة ليست أزمة أفراد… بل أزمة ثقافة إدارة.
    ثقافة تخشى التغيير، وتخاف من الموهوب، وتطمئن إلى الروتين.

    والحل يبدأ من الاعتراف بأن الكفاءة ليست ديكورًا، بل ثروة وطنية يجب أن تُصان. ويكون ذلك من خلال:
    – تغيير نمط القيادة ليصبح قائمًا على التحفيز لا التحكم،
    – تفعيل آليات تمنع التهميش وتعطي مساحة حقيقية للمبادرات،
    – تحويل العمل من إدارة أوراق إلى إدارة نتائج،
    – وإتاحة الفرصة لصوت الخبرة أن يكون شريكًا في القرار لا متفرجًا عليه.

    إن الموهوبين لا يبحثون عن منصب، بل عن بيئة تسمح لهم أن يضيفوا ويبدعوا. والدول لا تنهض إلا حين تضع أصحاب العقول في مكانهم الطبيعي.

    وما حدث مع صديق الكاتب ليس استثناءً… بل إنذ‍ار بأن إصلاح الإدارة لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية عاجلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى