آخر الأخبار
الرئيسية / تقارير / «توفير الغذاء» .. طريقنا نحو الاكتفاء الذاتي

«توفير الغذاء» .. طريقنا نحو الاكتفاء الذاتي

كتب: أحمد إبراهيم فى السطور التالية نعرض لاستراتيجية الحكومة في توفير الغذاء على اعتبار إنه الطريق إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي..

الزراعة في مصر من القطاعات المهمة جدا ليس فقط لأننا اساسا دولة زراعية ولكن أيضا لأن الزراعة تنتج الغذاء وهي عصب الصناعة والعمود الفقري للاقتصاد القومي، وحوالي 55% من الشعب يسكن الريف و33% منه يعمل في الزراعة وينتجون غذاء المائة مليون مواطن والحكومة بدأت مؤخرا تعطيها اهتماما كبيرا، وهذا العام استثمارات الزراعة ارتفعت إلى 2,6 مليار جنية بعد أن كانت في العام قبل الماضي 120 مليون فقط والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي والفاو والايفاد تقول ان الاستثمارات الزراعية لأي دولة يجب ألا تقل عن 10% من إجمالي استثماراتها الحكومية.

وكلما تقدمت الدول تنخفض نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي فمثلا أمريكا وفرنسا وألمانيا لا تمثل الزراعة أكثر من 1% من ناتجهم المحلي، ومع ذلك تظل هذه الدول وغيرها داعمة للزراعة لأنها تنتج الغذاء الذي يؤمن مستقبلها.

مؤتمرات على الغذاء

قديما قالوا من ينتج غذاؤه يملك استقلاله وحرية قراره ولأننا في عالم لا يعترف إلا بالاقوياء وفي منطقة متلهبة ولأننا دولة مطمعا وتتعرض دائما للاستعمار، وبعد أن كنا سلة الغذاء في العالم والمنقذ من المجاعات التي عاشتها البشرية خلال العصور القديمة. ونظرا للمؤامرات الدولية تحولنا من تصدير الغذاء إلى استيراده ومن كل حين لآخر تحدث أزمات في أسعاره وعجز في بعض السلع.

الحكومات السابقة كانت تعالح أزمات الغذاء بنظام المسكنات ولكن الحكومة الحالية برئاسة د.مصطفى مدبولي قررت استخدام مشرط الجراح لعلاج المشكلة بعد تشخيصها وتم تشكيل لجنة لوضع استراتيجية دائمة للأمن الغذائي تضم وزراء الزراعة والري والتموين والتجارة والصناعة والمالية الاستيراتيجية تعتمد على محاور أساسية هي الاتاحة والديمومة وسلامة الغذاء وضبط أسعاره.

إن خريطة استهلاك الغذاء في مصر واضحة طوال العام سواء من حيث الإنتاج أو الاستهلاك وأيضا موقف الأسعار وأصبح أمام الحكومة معلومات تساعدها على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب سواء بزيادة مساحة المحاصيل التي فيها عجز أو باستيرادها من الخارج.

لدينا محاصيل إنتاجها يكفي للاستهلاك المحلي والتصدير مثل الخضر والفاكهة والعام الماضي حدثت طفرة في صادراتنا من السلع الزراعية الطازجة حيث بلغت 5 مليون طن بحوالي 2.2 مليار دولار تصل إلى 5 مليار بصادرات التصنيع الزراعي أي حوالي 20% من صادرتنا غير البترولية وهو تقريبا يساوي عائد مصر من قناة السويس، ولدينا سلع تكفي فقط للاستهلاك المحلي مثل الأسماك والدواجن والبيض واللبن الطازج ولدينا محاصيل فيها أزمة كبيرة ونستود معظمها من الخارج وهي القمح والفول والعدس والزيوت والذرة واللحوم الحمراء.

تحديات تواجه المحاصيل الاستراتيجية

رؤية الحكومة لهذه المشكلة هي التوسع الراسى من خلال زيادة انتاجيته الفدان بـالبحث العلمي والذي يقوم به مركزا البحوث الزراعية وبحوث الصحراء باستنباط أصناف جديدة من التقاوي والبذور عالية الجودة والإنتاجية وقليلة استخدام المياه وتقاوم الأمراض والظروف المناخية وتتحمل الملوحة والجفاف أو من خلال أستنباط معاملات زراعية جديدة في التسميد واستخدام المبيدات وطرق جديدة للري والزراعة والمكافحة وما بعد الحصاد، أيضا زيادة إنتاجية الفدان فمثلا كان إنتاج القمح 9 اردب حاليا وصل إلى 18 وهناك إمكانية لوصوله الى 24 اردب أيضا الذرة كان 11 اردب حاليا 23 ومن الممكن وصوله إلى 35 اردب أما القصب كان 34 طن وحاليا 50 وهناك إمكانية وصوله إلى 60 طن وكذلك الأرز كان 2,4 طن للفدان حاليا 4 ومستقبلا قد ينتج 5 طن بالإضافة إلى أن الاصناف الجديدة من الأرز تحتاج 6 آلاف متر من المياه بدلا من 9 آلاف وتمكث في الأرض 120 يوم بدلا من 160.

الخلاصة: ان الزيادة الرأسية تستطيع أن تسهم في زيادة إنتاجية الأرض الحالية بنسبة 40% من خلال البحث العلمي بأستنباط أصناف وطرق زراعية جديدة واستخدام التكنولوجيا الحديثة.

التوسع الأفقي تكون من خلال زيادة رقعة الأراضي الزراعية باستصلاح مليون ونصف مليون فدان والذي يقع معظمه في الصعيد حيث المناطق الأكثر احتياجا بالإضافة إلى 88% منه على المياه الجوفية و11% فقط بمياه النيل، أيضا مشروع الصوب الزراعية 100 الف صوبة تعطي إنتاجية 8 أضعاف الزراعة التقليدية أي تساوي 800 الف فدان وتوفر المياه والأسمدة مشروعي الصوب والمليون مليون فدان يستخدمان اساليب الري الحديثة والميكنة والطاقة الشمسية وتحلية مياة البحر كما أنها حيازات غير مفتتة.

الحكومة أيضا تولي اهتماما كبيرا بالاستزراع السمكي سواء في محور قناة السويس حيث يوجد 4400 حوض على مساحة 7500 فدان علاوة على مزارع بركة غليون في كفر الشيخ والتي افتتح الرئيس السيسي مرحلته الأولى عام 2017 على مساحة 4100 فدان، والمرحلة الثانية سوف تكون على مساحة 9000 فدان وسوف تحقق طفرة في إنتاجنا من الأسماك وكذلك مزارع بورسعيد والاسماعيلية والفيوم، بالإضافة إلى الاهتمام بالبحيرات، وتحديث أسطول الصيد ولدينا إمكانيات كبيرة في مجال الثروة السمكية إنتاجنا حاليا حوالي 1,8 مليون ومتوقع ان يتجاوز 2 مليون العام القادم. نحن لدينا اكتفاء ذاتي من السمك في بعض الأنواع ونصدر ونستورد كميات قليلة من البوري والبلطي والجمبري والدينس وبعد انتهاء المشروعات سوف نكتفي ذاتيا تماما ونحقق فائض كبير للتصدير.

بالاضافة الى خطة إنتاج مليار طائر بإقامة مزارع للدواجن في الصحراء من اجل الوقاية والأمان الحيوي، وأيضا الاستغلال الأمثل لصحرائنا الشاسعة كذلك مشروعي المليون رأس ماشية والبتلو، وأيضا مصانع الألبان العملاقة التي تنشأ حاليا وبذلك تكتمل سلة البروتين (اللحوم والدواجن والأسماك والالبان) وتصبح مصر مكتفية ذاتيا تماما.

قانون الزراعة

يعتبر قانون الزراعة الحالي عمره أكثر من 60 عاما ولم يعد يصلح للعمل به لذلك قامت الحكومة بطرح قانون جديد يواكب العصر، ويعتمد على تشجيع الفلاح ويهتم بـالزراعة التعاقدية ومعناها شراء المحصول من الفلاح والتعاقد معه على زراعة المحاصيل الاستراتيجية، والاتفاق على أسعار توريدها قبل زراعتها وفي ظل ندرة المياه والتغيرات المناخية وتآكل الرقعة الزراعية مع الزيادة السكانية تواجه الحكومة تحديات كبيرة في توفير الغذاء وتسعى جاهدة إلى تحقيق أقصى استفادة من وحدة الأرض والمياه والبشر والأموال من اجل الوصول لأفضل تركيب محصولي وزيادة الإنتاج الزراعي.

الصوب الزراعية

وأيضا وزارة الزراعة حاليا لديها برنامج وطني مهم لإنتاج تقاوي الخضر محليا لأننا نستوردها بنسبة 98% وهذا خطر على الأمن القومي.

استهلاك الغذاء يكون طوال العام ولكن إنتاجه خلال فترات (عروات) لذلك احيانا تحدث الأزمات ومن هنا تأتي أهمية الصوب لأنها تسهم في سد فجوة نقص الغذاء بين العروات.

ووزارة الزراعة تعمل على تحديد المساحات المطلوبة لإنتاج السلع التي تحتاجها البلاد حتى لا يكون هناك إنتاج وفير من سلعة وعجز شديد في أخرى وأيضا تحقيق ارباح للفلاح تشجعه على زراعة المحاصيل المطلوبة، وليس هذا فقط بل الوزارة تسعى جاهدة إلى أن يكون الغذاء صحي وآمن للاستهلاك المحلي وللتصدير من خلال ضبط استخدام المبيدات والاسمدة وعدم الري بمياه الصرف الصحى والاعتماد على وسائل المكافحة الحيوية، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير بدليل ان المنتجات المصرية حاليا تغزو الأسواق الأوروبية والتي تضع مواصفات وشروط قاسية على استيراد الغذاء كما أصبح لدينا جهاز لسلامة الغذاء والذي طال انتظاره سنوات طويلة مهمة الجهاز التأكد من سلامة غذاء وان يكون صحي وآمن.

التصنيع الزراعي

أيضا التصنيع الزراعي دوره هام جدا في الأمن الغذائي ويحقق قيمة مضافة للناتج القومي ويسهم في زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل ويقلل من نسبة الفاقد والهادر بداية من الحصاد حتى المطبخ، وإعادة تصنيع المخلفات الزراعية وهناك مشروعات زراعية ضخمة يتم تنفيذها حاليا سوف تسهم في توفير الغذاء مثل زراعة 5 مليون نخلة في توشكى والوادي الجديد، وأيضا الوصول بأشجار الزيتون من 50 مليون إلى 100 مليون حيث يصلح في الأراضي الصحراوية ويتحمل الظروف المناخية وملوحة المياه وندرتها.

أسعار الغذاء

قضية الأسعار غاية في الأهمية نظرا للظروف الاقتصادية للمواطنين والحكومة تحاول ضبط أسعار الغذاء من خلال زيادة الانتاج، وبالتالي زيادة العرض عن الطلب وايضا تقليل الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك بافتتاح منافذ توزيع جديدة في كل المحافظات، وهناك جهود متميزة لوزارة التموين في هذا الشأن وللقوات المسلحة ووزارة الداخلية كما أن قطاع الانتاج بـوزارة الزراعة وهيئة الإصلاح الزراعي وكذلك الجمعية العامة للإصلاح الزراعي يتوسعون يوميا في افتتاح منافذ جديدة من المنتج للمستهلك مباشرة، وهناك خطة لإنشاء 1000 منفذ خلال الفترة القادمة في الجمعيات الزراعية بالمحافظات سوف تسهم في تخفيض الأسعار على الأقل 20% والمنافذ تحقق ايضا سعر عادل للمزراع ومناسب للمستهلك وتقضي على جشع التجار كما أنها تقلل من نسبة الفاقد من السلع.

تأمين غذاء المصريين

ما سبق الحكومة تعمل على تحقيقه، وجميع مؤسساتها تتعاون من أجل تأمين غذاء المصريين ويأتي في مقدمة القوات المسلحة العظيمة ولكن مازال أمامنا ثلاثة أمور مهمة وهي: أولا تشجيع الاستثمار الزراعي وهناك خطوات جادة في ذلك نتمنى تطويرها بإزالة كافة العقبات أمام المستثمرين الزراعيين ومنح الجادين منهم حوافز وضمانات أكثر، ثانيا البحث العلمي الزراعي والذي أصبح بالفعل محل اهتمام وهذا العام زادت ميزانيته إلى 90 مليون بدلا من 3 مليون العام الماضي ونأمل في مضاعفته مستقبلا لأنه مرتبط بالواقع ويضع حلول عملية تطبيقية لمشاكلنا.

وأخير الاهتمام بالفلاح الذي مازال يستخدم اساليب زراعة بدائية ورغم ذلك يحقق الاكتفاء الذاتي من الخضر والفاكهة وأعلى إنتاجية في العالم من الأرز والقصب.

الفلاح المصري شاطر ومجتهد ولديه خبرة متراكمة أفضل من خبراء الاقتصاد أنفسهم ويسعى دائما إلى الزراعة المربحة ولذلك هو يحتاج فقط إلى توجيه الدولة من خلال الزراعة التعاقدية التي تحدثنا عنها سابقا لأن الزراعة المربحة للفلاح قد لا تكون مفيدة للدولة.

لذلك دائما نقول ان دعم الحكومة للفلاح هو دعم للشعب كله لأنه دعم لوسائل الإنتاج ويصل لمستحقيه حيث يؤدي إلى تخفيض أسعار الغذاء ويعتبر أيضا دعم للمنتجين والفلاح من أكثر فئات المجتمع إنتاجا لذلك اتمنى في حالة أي زيادة لأسعار الطاقة أو ترشيد للدعم يستثنى منها مستلزمات الإنتاج الزراعي.

ختاما الحكومة تعلم تماما ان إنتاج الغذاء قضية أمن قومي قبل أن تكون أمن غذائي لأنه قد يكون لدينا الأموال ولا نستطيع استيراده من الخارج نتيجة للمؤامرات الدولية أو للتأثير على قرارنا، ولذلك يصبح الإنتاج المحلي للغذاء ضرورة وطنية والحكومة تذلل كل العقبات أمام تحقيق هذا الهدف الاستيراتيجي ونحن شعب مائة مليون نسمة ولدينا إمكانيات كثيرة وعلى الأقل ننتج ما نأكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *