رأى

اليوم العالمي للتربة.. رسالة كوكب يستغيث من صمت التدهور

بقلم: أ.د.خالد فتحي سالم

أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات

في الخامس من ديسمبر كل عام، يقف العالم أمام واحدة من أهم قضاياه البيئية والزراعية والاقتصادية: التربة. ورغم أن التربة تبدو في ظاهرها مجرد طبقة من الأرض نعبرها كل يوم، فإنها في حقيقتها مخزن حياة كامل، وأحد أهم الموارد التي يرتكز عليها أمن الغذاء والمياه والمناخ. وفي هذا اليوم، تنطلق النداءات من المؤسسات الدولية والباحثين والمزارعين على حد سواء للفت الانتباه إلى ما تتعرض له التربة من ضغوط وتدهور، يهدد مستقبل إنتاج الغذاء لأجيال قادمة.

كيف أصبح الخامس من ديسمبر يومًا عالميًا للتربة؟
تعود فكرة تخصيص يوم عالمي للتربة إلى منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، التي بدأت منذ مطلع الألفية الجديدة في إطلاق مبادرات تهدف لوقف تدهور التربة وتحسين إدارتها. وفي عام 2002 طرحت المنظمة للمرة الأولى فكرة تخصيص يوم يحتفي بالتربة، ويُسهم في توعية العالم بأهمية المحافظة عليها.

غير أن الاعتراف الرسمي جاء بعد مسار طويل من المناقشات. ففي عام 2013 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يعتمد فيه رسميًا اليوم العالمي للتربة في 5 ديسمبر من كل عام، بعد أن تبنت الفاو التوصية ودفعت بها إلى المجتمع الدولي.

وقد جاء اختيار هذا التاريخ تحديدًا تكريمًا لذكرى الملك بوميبول أدولياديج ملك تايلاند الراحل، الذي كان من أبرز الداعمين لقضايا التربة وإدارة المياه، وأسهم على مدار عقود في تطوير نظم زراعية مستدامة أصبحت فيما بعد نماذج دولية ناجحة. وهكذا أصبح الخامس من ديسمبر يومًا عالميًا، تتحد فيه جهود الدول والمنظمات العلمية والجامعات والمزارعين لإلقاء الضوء على التربة، وعلى المخاطر التي تهددها.

تربة العالم… مخزون الغذاء والحياة
التربة ليست مجرد عنصر من عناصر البيئة؛ إنها الركيزة الأولى التي تقوم عليها الحياة على كوكب الأرض. وحسب تقديرات الفاو، فإن 95% من غذاء العالم يأتي من التربة بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل أي خطر يهددها تهديدًا مباشرًا لأمن الغذاء العالمي.

وتقوم التربة بعدد من الوظائف الحيوية، من بينها:

1. إنتاج الغذاء
جميع المحاصيل الزراعية، سواء كانت حبوبًا أو خضروات أو فاكهة أو أعلافًا، تعتمد في نموها على التربة وخصوبتها وقدرتها على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية.

2. تنظيم المناخ
تُعد التربة أكبر مخزن للكربون الأرضي بعد المحيطات، إذ تعمل على امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ما يساعد في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

3. تنقية المياه
تعمل التربة كمرشح طبيعي، تخلص المياه من الملوثات أثناء تسربها إلى باطن الأرض، وتضمن جودة المياه الجوفية.

4. دعم التنوع البيولوجي
نحو ربع التنوع البيولوجي العالمي يعيش تحت سطح التربة، بين بكتيريا وفطريات وديدان وميكروبات دقيقة، تعمل جميعها على تفكيك المواد العضوية وإنتاج العناصر الغذائية للنبات.

5. حماية الإنسان
تلعب التربة دورًا مهمًا في تثبيت البيئة الطبيعية ومنع الانهيارات الأرضية، وتثبيت النباتات التي تمنع انجراف الأراضي. لكن رغم هذا الدور الأساسي، تواجه التربة حول العالم خطرًا حقيقيًا يتزايد يومًا بعد يوم.

تدهور التربة… أزمة صامتة تهدد مستقبل الغذاء
تصنّف تقارير الأمم المتحدة تدهور التربة كأحد أكبر التهديدات البيئية في القرن الحادي والعشرين. وتشير التقديرات إلى أن ثلث تربة العالم بالفعل متدهور بدرجات متفاوتة.

أبرز أسباب التدهور:
التعرية الناتجة عن الرياح والأمطار
التوسع العمراني العشوائي على حساب الأراضي الزراعية
الاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات
التملح في المناطق ذات الري السيئ
التصحر الناتج عن الجفاف وإزالة الغطاء النباتي
التغيّر المناخي الذي يفاقم فقدان المياه وارتفاع درجات الحرارة

وتحذر تقارير دولية من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى خفض الإنتاج الغذائي العالمي بنسبة 20–30% بحلول 2050، وهو ما يعني أن أزمة الغذاء ستزداد تعقيدًا مع تزايد عدد سكان العالم.

أهداف اليوم العالمي للتربة: من التوعية إلى التغيير
لا يقتصر هذا اليوم على إطلاق الشعارات، بل يمثل دعوة عملية لتغيير أنماط التعامل مع التربة. ومن أهم أهدافه:

1. نشر الوعي العلمي والمجتمعي
فالمدارس والجامعات والمؤسسات البحثية تسهم في تنظيم ندوات ومعارض وورش عمل لشرح أهمية التربة ومخاطر تدهورها.

2. دعم الممارسات الزراعية المستدامة
مثل:
الزراعة بدون حرث
الزراعة العضوية
تدوير البقايا النباتية
زراعة محاصيل تغطية
تقليل الاعتماد على الكيماويات

3. تعزيز سياسات حماية الأرض
وتشمل تشجيع الدول على إصدار قوانين تحافظ على الأراضي الزراعية، وتمنع البناء العشوائي، وتفرض نظم ري حديثة توفر المياه وتحسن خصوبة التربة.

4. تطوير حلول علمية مبتكرة
منها مراقبة التربة عبر الأقمار الصناعية، وتحليل خصوبتها بالذكاء الاصطناعي، وتطوير أصناف نباتية أكثر قدرة على النمو في تربة متدهورة.

التربة والزراعة… علاقة حياة لا يمكن فصلها
لطالما كانت الزراعة هي المستفيد الرئيسي من التربة، ولذلك فإن أي تدهور في خصوبتها ينعكس مباشرة على المزارعين والإنتاج والأسعار والأسواق.

كيف يستفيد المزارع من تربة صحية؟
زيادة الإنتاجية
تحسين جودة المحاصيل
خفض تكاليف الزراعة
تقليل أمراض النباتات
رفع كفاءة استخدام المياه

وفي الوقت نفسه، يقود تدهور التربة إلى:
انخفاض الإنتاج والغلة
زيادة الحاجة للأسمدة المكلفة
تراجع دخل المزارعين
زيادة هشاشة الأمن الغذائي
ولذلك، فإن الحفاظ على التربة يظل واحدًا من أهم عناصر الزراعة المستدامة.

مصر… حيث تحمل التربة قيمة وطنية واقتصادية
في مصر، تأخذ قضية التربة أبعادًا أكثر أهمية، باعتبار أن البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على شريط ضيق حول نهر النيل ومساحات محدودة في الدلتا. ومع زيادة عدد السكان وتراجع الرقعة الزراعية بفعل الزحف العمراني، أصبحت التربة موردًا وطنيًا يجب الحفاظ عليه بكل الطرق.

التحديات التي تواجه التربة في مصر:
تآكل الأراضي الزراعية بسبب البناء المخالف
تملح التربة خاصة في شمال الدلتا بسبب سوء الصرف الزراعي
ارتفاع منسوب المياه الجوفية
الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية
تراجع المادة العضوية في كثير من الأراضي
زحف الصحراء والتصحر في مناطق الحدود

جهود الدولة في حماية التربة:
التوسع في مشروعات الاستصلاح، مثل:
مشروع الدلتا الجديدة
توشكى
مستقبل مصر
شرق العوينات

التحول نحو نظم الري الحديث
دعم مشروعات التكامل الزراعي
تنظيم قوانين صارمة لمنع البناء على الأراضي الزراعية
برامج لنشر استخدام الأسمدة العضوية والكمبوست

كما تشارك مصر سنويًا في فعاليات اليوم العالمي للتربة عبر مؤسسات الزراعة والجامعات والمراكز البحثية، وهو ما أسهم في رفع الوعي العام بأهمية التربة كأحد عناصر الأمن القومي الغذائي.

حماية التربة… مسؤولية عالمية ومحلية
إن حماية التربة ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين:
المزارعين
المؤسسات العلمية
المدارس والجامعات
الإعلام
المجتمع المدني
القطاعات الصناعية التي تؤثر مخلفاتها على الأراضي

وتحتاج هذه الجهود إلى رؤية مشتركة تستند إلى العلم والتكنولوجيا والوعي المجتمعي.

الموجز المختصر
اليوم العالمي للتربة ليس مجرد مناسبة تضيفها الأمم المتحدة إلى قائمة الأيام الدولية، بل هو إعلان صريح بأن التربة مورد مهدد وعلينا إنقاذه. ففي هذا اليوم، يعيد العالم اكتشاف الحقيقة البسيطة التي غابت عنه طويلًا: أن ثروتنا الحقيقية ليست فوق الأرض، بل تحت أقدامنا. وإذا كانت المياه هي شريان الحياة، فإن التربة هي الجسد الذي يحمل الحياة كلها. الحفاظ عليها هو مسؤولية كل فرد، وكل دولة، وكل مؤسسة. فالتربة التي نعيش عليها اليوم هي ميراث يجب أن نحافظ عليه للأجيال القادمة… قبل فوات الأوان.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى