رئيس التحرير

«المرأة الريفية» قوة مصر الصامتة التي تنهض قبل الفجر

بقلم: د.أسامة بدير

من وجهة نظري، تمثل المرأة الريفية في مصر أحد أعظم نماذج العطاء والصبر والعمل الخفي الذي لا يُرى إلا في نتائجه. فهي العمود الصامد الذي يرتكز عليه البيت والحقل معاً، والروح التي تنهض مع الفجر لتسبق أهل القرية إلى يومٍ جديد من الجهد والمسؤولية.

تبدأ يومها بين أعباء المنزل وتربية الأبناء، ثم تخرج لتقف إلى جوار زوجها في الحقل، تشاركه إعداد الأرض ومتابعة الري والعناية بالمحصول، دون أن تكل أو تُظهر شكوى. إنها ليست مجرد مساعدة، بل شريكة حقيقية في العملية الإنتاجية الزراعية، تبذل جهداً مضاعفاً يوازن بين دورها الأسري ودورها الزراعي، وتؤديهما بإخلاص وقدرة تستحق الإعجاب والتقدير.

لا يقف عطاؤها عند حدود الحقل والمنزل، فالمرأة الريفية تتحمل مسئولية تربية الطيور والمواشي، وهي منظومة اقتصادية متكاملة داخل كل بيت ريفي، تسهم في زيادة دخل الأسرة وتحسين مستوى معيشتها. ورغم مشقة هذا العمل المتواصل، فإنها تقوم به بحب وإخلاص، مدركةً أن كل بيضة أو لتر لبن أو طائر تسمنه بيديها هو دعم مباشر لأسرتها وقدرة على مواجهة أعباء الحياة.

وفي أسواق القرى الرئيسية، يتجلى المشهد الأجمل للمرأة الريفية العاملة؛ إذ تراها تتحرك في ساعات مبكرة من الصباح، وهي تحمل على رأسها سلالاً من الخضروات والفاكهة ومنتجات الألبان والخبز البلدي. تتنقل بخطوات ثابتة بين قلبي البيت والسوق، تجمع من الهواء احترام الناس، ومن التعب قوة جديدة. تعمل بشرف وتبيع بضمير، وتظل طوال اليوم مثالاً للصمود والقدرة على الإنتاج مهما قست الظروف.

لذا أعتقد أنه يجب على الحكومة وضع برامج دعم وحماية اجتماعية شاملة للمرأة الريفية، تقديراً لدورها الحيوي في بقاء ملايين الأسر الريفية على قيد الحياة الاقتصادية. فرغم أنها شريك أساسي في الإنتاج الزراعي، فإنها ما تزال الأكثر تعرضاً للمشقة دون شبكة حماية ملائمة.

من الضروري توفير رعاية صحية متكاملة للمرأة الريفية، تشمل التأمين الصحي، والكشف الدوري، وبرامج التوعية الصحية والتغذوية، فضلاً عن دعم الحوامل والمرضعات، باعتبار المرأة الريفية هي العمود الأساس لصحة الأسرة.

إن تمكين المرأة الريفية لم يعد رفاهية ولا مطلباً ثانوياً، بل ضرورة وطنية عاجلة يجب أن تتصدر أولويات الدولة. ومن هذا المنطلق، أجدد المطالبة بتمكين اقتصادي حقيقي وملموس للمرأة الريفية، من خلال توفير قروض بلا فوائد، وإجراءات تمويل ميسرة وواضحة، ودعم واسع لمشروعات تربية الدواجن والمواشي وتطويرها، إلى جانب فتح منافذ تسويق عادلة ومنظمة تسمح لها ببيع منتجاتها دون استغلال أو وسيط يقتطع مجهودها. إن ضمان دخل مستقر لهذه السيدة العظيمة ليس مكسباً فردياً، بل رافعة اقتصادية تعزز الإنتاج المحلي وتدعم الأمن الغذائي.

وفي ختام حديثي، أرفع صوتي بلا تردد، لعله يصل إلى أصحاب القرار: المرأة الريفية ليست تابعاً ولا عنصراً ثانوياً داخل الأسرة، بل قوة إنتاجية حقيقية تدير بيتاً، وتنهض بحقل، وتدعم اقتصاداً كاملاً من دون ضجيج. لقد آن الأوان للاعتراف بدورها الاستراتيجي، ومنحها كل أشكال الدعم والرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية، فهي شريك أصيل في تنمية الاقتصاد الوطني، وبدونها لن تكتمل منظومة التنمية في ريف مصر.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى