آخر الأخبار

المجتمعات الصحراوية في ظل استمرار جائحة كورونا

د.هبة السيد

بقلم: د.هبة السيد

باحث بقسم الدراسات الاجتماعية – مركز بحوث الصحراء

تحتفظ المجتمعات الصحراوية بشكل عام وفى مصر بشكل خاص بعادات وتقاليد وقيم تقوم بدورها فى تشكيل ثقافة أفرادها، والتى تعد أداة أساسية للتكيف مع البيئة، حيث ساعدت هذه الثقافة على التكيف مع متطلبات ومشكلات الحياة ومنها الأمرض الوبائية المعدية مثل إنتشار مرض كورونا فى الأونة الأخيرة.

تعتمد هذة المجتمعات على رصيد كبير من العادات والمعتقدات الكبيرة فى مواجهة الأمراض والأوبئة، حيث تؤدي هذة المعتقدات والممارسات الطبية الشعبية دوراً بالغ الأهمية فى علاج ومواجهة انتشار هذا المرض فى ظل استمرار تحور هذا الوباء ليصبح أكثر سراشة فى الانتشار.

فى ظل وقوف الثقافة التقليدية فى المجتمعات الصحراوية ككل فى موقف مواجهة مع الخدمات الصحية الرسمية والتى قد تكون غير منتشرة فى مختلف المناطق الصحراوية خاصة فى المناطق الحدودية، حيث تؤثر المعتقدات الشعبية على إدراك الفرد لمدى حاجته للمساعدة الطبية وقراره بالبحث عنها واستجابته لها.

يعانى أبناء المجتمعات الصحراوية من صعوبة كبيرة فى تبنى عادات وسلوكيات جديدة عكس المعتادة خاصة فى ظل استمرار تفشى جائحة كورونا مثل فكرة (التباعد الاجتماعى) التى أدت إلى تعليق عدد من الانشطة والسلوكيات اليومية التى أثرت بشكل كبير فى أسلوب حياتهم.

نظراً لقلة انتشار الوعى الثقافى والصحى بالمجتمع الصحراوى والذى أثر بشكل كبير فى طريقة التعامل والالتزام بتعليمات الوقاية من عدمها، حيث واجهت بعض القرى صعوبة فى التعامل مع إجراءات التطهير المطلوبة إما لعدم تقدير خطورة الموقف الواجب، وإما بسبب ارتفاع أسعار مستلزمات التطهير والوقاية، أو عدم توافرها، وبالتالى تجاهل الأمر أو اللجوء إلى أساليب بديلة فى ظل عدم توافر هذه المستلزمات مع استمرار استخدام الطرق التقليدية وأساليب الطب الشعبى لمواجهة العديد من الأمراض الوبائية والأمراض المعدية بشكل عام وانتشار وباء كورونا بشكل خاص.

أدى إنتشار هذا الوباء إلى إعادة تشكيل سلوكيات قاطنى هذة المناطق حيث طرأت سلوكيات جديدة يتم من خلالها التواصل بشكل غير مباشر بين الأفراد مع بعضهم البعض محاطاً بغلاف كبير من (التباعد الاجتماعى) والذى يعتبر تغيراً سلوكاً غريباً قد طرأ على الثقافة فى مجتمعاتنا الصحراوية.

كشفت أزمة كورونا عن بعض السلوكيات غير المتوقعة وغير المتوافقة مع القيم التى تستند إلى أهمية التعاون والتماسك الاجتماعى بين أفراد هذة المجتمعات وتتمثل فيما يلى: انتشار ظاهرة الوصم الاجتماعى لمصابى كورونا والذى دفع البعض إلى إخفاء المرض خوفاً من نبذ المصاب والابتعاد عن أهالى المريض تحسباً لانتشار العدوى بالإضافة إلى التغيرت التى ظهرت بشكل غريب مع فكرة التعامل مع الموتوفين بمرض كورونا والذى وصل الأمر إلى الخوف الشديد من قبل أهالى المتوفين من استلام جثمان ذويهم خوفاً من انتقال العدوى ووصل الأمر إلى منع تلقى العزاء ……إلخ.

هنا يجب أن نطرح تساول هام، وهو: ما الطرق التى يجب اتباعها لمواجهة هذة الأزمة؟، خاصة أن الأزمة لا زالت مستمرة منذ بدايتها فى الانتشار فى بلدنا منذ عام 2020 وهذة مدة زمنية ليست بالقليلة وقد تستمر معنا ولا يعرف على وجه التحديد متى سوف تنتهى هذة الأزمة.

فى رأيي يجب أن يتم المواجهة من خلال تغيير سلوكيات الأفراد التى لا تتناسب مع الحياة اليومية فى ظل هذه الجائحة، تغيير أو تنمية الوعى الصحى، والذى يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من عملية تغيير الوعى الاجتماعى بشكل عام، فتغيير الوعى لا يأتى من فراغ، بل لابد له من أساس اجتماعى، ويأتى هنا دور أدوات تشكيل الوعى الاجتماعى وفى مقدمتها المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام بشكلها التقليدى والجديد وذلك من خلال نشر المعلومات الصحية بشكل يتناسب مع جميع المستويات الاجتماعية والثقافية التى يضمها المجتمعات الصحراوية، وسرعة تصحيح المعلومات الخاطئة عن طبيعة هذا المرض، وعن طريقة التعامل مع المصابين به، وعن كيفية التعامل مع المتعافين منه أو حالات الوفاة، فضلا عن التركيز على أهمية التباعد الاجتماعى بين أفراد المجتمع والذى يجب أن يصبح سلوكا اجتماعيا معبراً عن المسئولية الفردية تجاه المجتمع والآخرين.

وأخيراً، يجب أن يتم النظر إلى أزمة مرض كورونا إلى أنها تعد فرصة كبيرة وهامة للتغيير الاجتماعى والثقافى فى المجتمع كله بشكل عام، والمجتمعات الصحراوية بشكل خاص وهذا يحتاج إلى تحديد مجموعة من استراتيجيات الإقناع والتأثير الفاعلة التى يجب أن تتعاون مختلف المؤسسات السابق ذكرها، والتى تساهم فى تشكيل الوعى الاجتماعى والذى يتم عبر تحفيز الأفراد على الالتزام بالتدابير الصحية الاحترازية للوقاية من هذا الوباء، من خلال استخدام الأساليب المناسبة لمختلف الفئات المستهدفة التى تقطن المجتمعات الصحراوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *