آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / اللى ما يعرفشى يقول إيه…!

اللى ما يعرفشى يقول إيه…!

د.على زين العابدين قاسم

بقلم: د.على زين العابدين قاسم

عندما وصلني جواب التنسيق على يد عامل البريد هرولت إليه مسرعا ونزعت الجواب من يده بلا إستآذان أو إعتذار متلهفا لأعرف وجهتي الجامعية فانفرجت أساريره إشفاقا على لهفتي “ألف مبروك يا أستاذ.. عاوزين الحلاوة“, وفجأة أحسست بظلمة قاتمة ابتلعت عامل البريد وشارعنا والجيران وعجزت عن التقاط انفاسى لدقائق حتى استجمعت قوتى وصرخت صرخة المولود الحزين لوجوده المفاجئ فى عالم لم يألفه أو يختاره! فوجدتنى وحيدا مع جواب تنسيقى وقد اختفى عامل البريد والشارع والجيران حزنا على حزنى!

كلية الزراعة..يا نهار “إسوح”..بقى دا يا ربى أخر صبرى” ولم تكن فى مخيلتى عن كلية الزراعة إلا صورة مُدرسة الزراعة فى المدرسة الثانوية وهى تجبرنا على شراء “الليمون المعصفر” فى حصة الزراعة بخمسة قروش وإلا تهدد بالثبور وعظائم الأمور ولم يكن يعبأ بها إلا حفنة من الطلبة المذعورين أو من يريد فاتح للشهية مع ساندوتشات الطعمية والباذنجان! أما الغالبية فيعلمون أنها “غلبانة” فكانوا يتجاهلون صرخاتها برباطة جأش ووقار ويتمتمون فى شفقة “لا حول ولا قوة إلا بالله”!!.

أما أستاذ موريس مُدرس الزراعة فكان يصر إصرارا أن يأتى المدرسة ببدلة و”كرافتة, وللحق فقد كان معتزا بأناقته لحد الجنون. هذا الجنون بالأناقة جعله يرتدى جاكت بدلة من سوق الكانتو أقنعه البائع أنها تخص وزير الزراعة فى عهد السلطان برقوق! وقد كان فارق الطول بين أستاذ موريس ووزير الزراعة البائد جليا فترى الجاكت البرقوقى يكفى بالكاد لما قبل “سرة” أستاذ موريس والذى كان شديد الذكاء فما أن يستشعر لفحة برد عابرة يقشعر لها بدنه حتى يرفع بنطلون “البيجامة” لأقصى ما يمكن فيكشف عن ساقين طويلتين ينتهيا بأثار شراب يظهر على استحياء من عنق الحذاء “النابليونى” الأنيق!!.

وفى أول أيامى الجامعية دخلت من البوابة الأنيقة لـكلية زراعة عين شمس بقصر محمد على بشبرا الخيمة ولم تمنعنى حالة الفتور من الانبهار والشعور بالهيبة والوقار وللحق كان المنظر رائع الجمال وبدت لى الكلية بمبانيها وحدائقها كلوحة فنية صاغها فنان مرهف الحس وقد تصاعد أريج الزهور من اللوحة الفنية لتفاجئ بنفسك داخل اللوحة وجزء لا يتجزأ منها فتوغلت بلا إرادة بفعل جاذبية الانبهار وقد تحولت أقدامى لشراع يبحر فى عمق البحر أنظر فى خيلاء لحشود المستقبليين عن يمين وشمال فاكتفى بتحية الملوك فأهز رأسي بالإيماءة المعروفة فما أن بدت لى المباني كبواخر شاهقة تكاد أن تبتلعني حتى قفزت من خيلاءى إلى أحضان المستقبليين فى تودد!!.

وزاد اندهاشي المشهد الملائكي المشرق للطلبة وهم مرتدين “البلاطى” البيضاء يقطعون الكلية نشاطا ذهابا وعودة بطريق مكوكية طاحنة, ولا يلبث من يتابع ذلك إلا أن ينجذب للمدارات الإلكترونية الطلابية كلا حسب كتلته ووزنه الذرى! فالكل سيدور فى هذه المدارات شاء أم ابى ومن سيتخلف سيلفظ لا محالة إلى خارح النطاق!. فوجدتنى وقد خلع على البالطو الابيض أدور فى مدارى الذى جذبنى إليه محاضرة عن العائلات النباتية! “يا سلام..يعنى إيه صلة قرابة البطيخ الأقرع بالقرع! طب واحنا مالنا بالمسائل العائلية دى بس!”وخرجت وقد تاثرت بالغ التأثر بالمحاضر العملاق وقد مسحت هيئته صورة أستاذ موريس من ذهنى فقد كان استاذا كبيرا يقترب من الثمانين من عمره بلغ عشقه للنباتات أنه “نباتى” لا يأكل إلا النبات! وليس هذا نوع من أنواع الانتقام من النبات الذى سرق عمره فى دراسته والتعرف على مشاكله ومشاعره وأمراضه بقدر ما هو رغبة فى الامتزاج فمن أول وهلة تراه فيها تشعر أنك أمام نبات انسانى أخذ من الإنسان مظهره ومن النبات طباعه فلا تسمع منه إلا همسا ويهئ لك من شفافيته أنك ترى من خلاله! خلق فى هذه الحياة ليستمد بجذوره الأصيلة من باطن أرض المعرفة الوعرة علما نافعا تحيا به عقولا عطشى وتثمر فروعه فتساقط رطبا جنيا!.

وفى “السكشن” انتقلت عبر العدسة العينية للميكروسكوب الالكتروني لعالم كان منذ لحظات محجوب عن نواظرى! “سبحان الله الخالق المصور” فلقد رأينا قطاعات طولية وعرضية فى الكتب “كتير وقليل” ولكن لم تنتابنى أبدا هذه القشعريرة! فكلنا رأينا عظماء وملوكا ورؤساء على صفحات الجرائد وعلى شاشات التليفزيون, ولكن سيختلف الأمر لو رأيت عظيماً وجها لوجه! كذلك ولله المثل الأعلى رأيت عظمة الله الخالق بلا وسيط! يالها من متعة عظيمة لا تتوفر إلا للقليل, وقد كنت واحدا منهم!.

ثم توالت المحاضرات و”السكاشن”علينا “وإحنا لسه فى أول يوم”وكان يتطلب منا ذلك لياقة بدنية عالية واستعداد ذهنى لم يكونا متوفرين بالطبع! وما أن فُتح باب شقتنا حتى وجدتنى وقد تدلى البالطو الأبيض بجوار عنقى وقد خرج جزء من قميصى من البنطلون وأصبح شعرى غجرى “منكوش” حتى صرخت أمى”هما عملوا فيك إيه يا حبيبى” فرفعت حاجبى على طريقة فريد شوقى وبإصرار”أنا حاعرف إزاى أخد حقى”!.

ومع شقشقة الصباح عدوت مسرعا للكلية باحثا عن حقى فى كلية لا حق لها! حقى فى المعرفة والعلم الفياض! هذا الحق الذي يطوق عنقى بدين الدفاع عن حق الكلية المهدر فى دولة زراعية منذ بدء الخليقة! فمن منا يعلم أن كلية الزراعة لها حرم جامعى مستقل عن الجامعة يحتوى على الأقسام المختلفة التى يعتبر كل منها بلا أدنى مبالغة كلية فى الحرم الجامعى, فهل تعلم أن الكلية بالإضافة لعلوم البساتين والمحاصيل والإنتاج الزراعى وأمراض النبات والوقاية, والهندسة الزراعية, والإنتاج الحيوانى, وعلوم الاغذية, تقوم بتدريس علوم الوراثة, والكيمياء, والطبيعة, الأحياء الدقيقة “ميكروبيولوجى” والرياضيات, والاقتصاد, وغيرها من العلوم. وإذا علمت أن أى مجلس للوزراء لايخلو من وزير على الأقل من خريجى الكلية المقهورة فهل تتفق معى أن الكلية تعانى  قصورا اعلاميا, بالإضافة لغياب استراتيجية وطنية تحدد احتياجاتنا من الخريجين فى جميع التخصصات وتضع لهم ادورا مؤثرة فى سيناريو النهضة والتنمية! وحتى يحدث ذلك أتسائل أليس من الجاذب للكلية أن يضمن الطالب تخصيص أرضفى اطار المشروعات القومية الكبرى حتى ينفعها بعلمه ويستنفع  بخيرها! أم سننتظر حتى نضطر أخيرا  لاستقدام مهندسين زراعيين من دول الخليج العربى!

*كاتب المقال: مدرس بمعهد التخطيط القومى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *